البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٥ - ثم دخلت سنة إحدى و سبعين
إلقائه يده، و من الذلة لعبيد اللَّه بن زياد، و جعل ينشد و يقول مسليا نفسه:
و إن الأولى بالطف من آل هاشم* * * تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
و كان عبد الملك قد أشار عليه بعض أصحابه أن يقيم بالشام و أن يبعث إلى مصعب جيشا. فأبى و قال: لعلى إن بعثت رجلا شجاعا كان لا رأى له، و من له رأى و لا شجاعة له، و إني أجد من نفسي بصيرا بالحرب و شجاعة، و إن مصعبا في بيت شجاعة، أبوه أشجع قرشي، و أخوه لا تجهل شجاعته، و هو شجاع و معه من يخالفه و لا علم له بالحرب، و هو يحب الدعة و الصفح، و معى من ينصح إلى و يوافقني على ما أريد، فسار بنفسه فلما تقارب الجيشان بعث عبد الملك إلى أمراء مصعب يدعوهم إلى نفسه و يعدهم الولايات، فجاء إبراهيم بن الأشتر إلى مصعب فألقى إليه كتابا مختوما و قال: هذا جاءني من عبد الملك، ففتحه فإذا هو يدعوه إلى الإتيان إليه و له نيابة العراق، و قال لمصعب: أيها الأمير! إنه لم يبق أحد من أمرائك إلا و قد جاءه كتاب مثل هذا، فان أطعتنى ضربت أعناقهم.
فقال له مصعب: إني لو فعلت ذلك لم ينصحنا عشائرهم بعدهم، فقال: فابعثهم إلى أبيض كسرى فاسجنهم فيه، فان كانت لك النصرة ضربت أعناقهم، و إن كانت عليك خرجوا بعد ذلك. فقال له: يا أبا النعمان، إني لفي شغل عن هذا، ثم قال مصعب: رحم اللَّه أبا بحر- يعنى الأحنف- أن كان ليحذرنى غدر أهل العراق، و كأنه كان ينظر إلى ما نحن فيه الآن. ثم تواجه الجيشان بدير الجاثليق من مسكن، فحمل إبراهيم بن الأشتر- و هو أمير المقدمة العراقية لجيش مصعب- على محمد بن مروان- و هو أمير مقدمة الشام- فأزالهم عن موضعهم، فأردفه عبد الملك بعبد اللَّه بن يزيد بن معاوية، فحملوا على ابن الأشتر و من معه فطحنوهم، و قتل ابن الأشتر (رحمه اللَّه) و عفا عنه، و قتل معه جماعة من الأمراء، و كان عتاب بن ورقاء على خيل مصعب فهرب أيضا و لجأ إلى عبد الملك بن مروان، و جعل مصعب بن الزبير و هو واقف في القلب ينهض أصحاب الرايات و يحث الشجعان و الأبطال أن يتقدموا إلى أمام القوم، فلا يتحرك أحد، فجعل يقول: يا إبراهيم و لا إبراهيم لي اليوم، و تفاقم الأمر و اشتد القتال، و تخاذلت الرجال، و ضاق الحال، و كثر النزال. قال المدائني: أرسل عبد الملك أخاه إلى مصعب يعطيه الأمان فأبى و قال: إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموضع إلا غالبا أو مغلوبا. قالوا: فنادى محمد بن مروان عيسى بن مصعب فقال: يا ابن أخى لا تقتل نفسك، لك الأمان، فقال له مصعب: قد أمنك عمك فامض إليه، فقال: لا يتحدث نساء قريش أنى أسلمتك للقتل، فقال له: يا بنى فاركب خيل السبق فالحق بعمك فأخبره بما صنع أهل العراق فانى مقتول هاهنا، فقال: و اللَّه إني لا أخبر عنك أحدا أبدا، و لا أخبر نساء قريش بمصرعك، و لا أقتل إلا معك و لكن إن شئت ركبت خيلك و سرنا إلى البصرة فإنهم على الجماعة، فقال: و اللَّه لا يتحدث قريش