البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٨ - و هذه صفة مقتله رضى اللَّه عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح و البهتان
الأحمسي [و الحسين يقرأ وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ الآية فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرس من أصحاب ابن زياد فقال: نحن و رب الكعبة الطيبون ميزنا اللَّه منكم.
قال فعرفته فقلت لزيد [١] بن حضير: أ تدري من هذا؟ قال:
لا! فقلت هذا أبو حرب السبيعي عبيد اللَّه بن شمير- و كان مضحاكا بطالا- و كان شريفا شجاعا فاتكا، و كان سعيد بن قيس ربما حبسه في خبائه. فقال له يزيد بن حصين: يا فاسق متى كنت من الطيبين؟ فقال: من أنت ويلك؟ قال: أنا يزيد بن حصين. قال: إنا للَّه! هلكت و اللَّه عدو اللَّه! على م يريد قتلك؟ قال فقلت له: يا أبا حرب هل لك أن تتوب من ذنوبك العظام؟ فو اللَّه إنا لنحن الطيبون و إنكم لأنتم الخبيثون. قال: نعم و أنا على ذلك من الشاهدين. قال: ويحك أ فلا ينفعك معرفتك؟ قال فانتهره عزرة بن قيس أمير السيرة التي تحرسنا فانصرف عنا] [٢] قالوا: فلما صلى عمر بن سعد الصبح بأصحابه يوم الجمعة و قيل يوم السبت- و كان يوم عاشوراء- انتصب للقتال، و صلى الحسين أيضا بأصحابه و هم اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا، ثم انصرف فصفهم فجعل على ميمنته زهير بن القين، و على الميسرة حبيب بن المطهر، و أعطى رايته العباس بن على أخاه، و جعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم، و قد أمر الحسين من الليل فحفروا وراء بيوتهم خندقا و قذفوا فيه حطبا و خشبا و قصبا، ثم أضرمت فيه النار لئلا يخلص أحد إلى بيوتهم من ورائها. و جعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، و على الميسرة شمر بن ذي الجوشن- و اسم ذي الجوشن شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية من بنى الضباب بن كلاب- و على الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، و على الرجالة شبيث بن ربعي، و أعطى الراية لوردان مولاه، و تواقف الناس في ذلك الموضع، فعدل الحسين إلى خيمة قد نصبت فاغتسل فيها و اطلى بالنورة و تطيب بمسك كثير، و دخل بعده بعض الأمراء ففعلوا كما فعل، فقال بعضهم لبعض: ما هذا في هذه الساعة؟ فقال بعضهم:
دعنا منك، و اللَّه ما هذه بساعة باطل، فقال يزيد بن حصين: و اللَّه لقد علم قومي أنى ما أحببت الباطل شابا و لا كهلا، و لكن و اللَّه إني لمستبشر بما نحن لاحقون، و اللَّه ما بيننا و بين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء القوم فيقتلوننا.
ثم ركب الحسين على فرسه و أخذ مصحفا فوضعه بين يديه، ثم استقبل القوم رافعا يديه يدعو بما تقدم ذكره: اللَّهمّ أنت ثقتي في كل كرب، و رجائي في كل شدة، إلى آخره. و ركب ابنه على بن الحسين- و كان ضعيفا مريضا- فرسا يقال له الأحمق و نادى الحسين أيها الناس: اسمعوا منى نصيحة أقولها لكم، فأنصت الناس كلهم، فقال بعد حمد
[١] كذا بالأصلين. و في الطبري: برير بن حضير
[٢] سقط من المصرية