البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠١ - قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي
بهما إلى صاحبيه، قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم، و أن ذلك ليس بمستنكر له، إلا أن السيف أجلها. و أن قيسا أحد الأجواد حكم مملوكته في ماله بغير علمه و استحسن فعلها و عتقها شكرا لها على ما فعلت، و أجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الأوسي، لأنه جاد بجميع ما يملكه، و ذلك جهد من مقل. و قال سفيان الثوري عن عمرو عن أبى صالح قال: قسم سعد بن عبادة ماله بين أولاده و خرج إلى الشام فمات بها، فولد له ولد بعد وفاته، فجاء أبو بكر و عمر إلى قيس ابن سعد فقالا: إن أباك قسم ماله و لم يعلم بحال هذا الولد إذ كان حملا، فأقسموا له معكم، فقال قيس: إني لا أغير ما فعله سعد و لكن نصيبي له. و رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد ابن سيرين فذكره. و رواه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى عطاء فذكره. و قال ابن أبى خيثمة:
ثنا أبو نعيم ثنا مسعر عن معبد بن خالد. قال: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعا إصبعه المسبحة- يعنى يدعو-
و قال هشام بن عمار: ثنا الجراح بن مليح ثنا أبو رافع عن قيس بن سعد. قال: لو لا أنى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «المكر و الخديعة في النار»: لكنت من أمكر هذه الأمة.
و قال الزهري: دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة، معاوية، و عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة، و قيس بن سعد، و عبد اللَّه بن بديل و كانا مع على، و كان المغيرة معتزلا بالطائف حتى حكم الخصمان فصارا إلى معاوية. و قد تقدم أن محمد بن أبى حذيفة كان قد تغلب على مصر و أخرج منها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، نائب عثمان بعد عمرو بن العاص، فأقره عليها عليّ مدة يسيرة ثم عزله بقيس بن سعد، فلما دخلها سار فيها سيرة حسنة و ضبطها، و ذلك سنة ست و ثلاثين، فثقل أمره على معاوية و عمرو بن العاص، فكاتباه ليكون معهما على على فامتنع و أظهر للناس منا صحته لهما، و في الباطن هو مع على، فبلغ ذلك عليا فعزله و بعث إلى مصر الأشتر النخعي فمات الأشتر في الرملة قبل أن يصل إليها، فبعث على محمد بن أبى بكر فخف أمره على معاوية و عمرو، فلم يزالا حتى أخذا منه الديار المصرية، و قتل محمد بن أبى بكر هذا و أحرق في جيفة حمار. ثم سار قيس إلى المدينة، ثم سار إلى على بن أبى طالب إلى العراق، فكان معه في حروبه حتى قتل على، ثم كان مع الحسن ابن على حين سار إلى معاوية ليقاتله، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن معاوية ساء قيسا ذلك و ما أحبه، و امتنع من طاعته معاوية، ثم ارتحل إلى المدينة، ثم قدم على معاوية في وفد من الأنصار فبايع معاوية بعد معاتبة شديدة وقعت بينهما، و كلام فيه غلظة، ثم أكرمه معاوية و قدمه و حظي عنده، فبينما هو مع الوفود عند معاوية إذ قدم كتاب ملك الروم على معاوية و فيه: أن ابعث إلى بسراويل أطول رجل في العرب، فقال معاوية: ما أرانا إلا قد احتجنا إلا سراويلك؟- و كان قيس مديد القامة جدا لا يصل أطول الرجال إلى صدره- فقام قيس فتنحى ثم خلع سراويله