البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥١ - ثم دخلت سنة إحدى و خمسين
أو أعان على قتله. فقام حجر كما كان يقوم في أيام المغيرة، و تكلم بنحو مما قال للمغيرة، فلم يعرض له زياد، ثم ركب زياد إلى البصرة، و أراد أن يأخذ حجرا معه إلى البصرة لئلا يحدث حدثا، فقال:
إني مريض، فقال: و اللَّه إنك لمريض الدين و القلب و العقل، و اللَّه لئن أحدثت شيئا لأسعين في قتلك، ثم سار زياد إلى البصرة فبلغه أن حجرا و أصحابه أنكروا على نائبة بالكوفة- و هو عمرو بن حريث- و حصبوه و هو على المنبر يوم الجمعة، فركب زياد إلى الكوفة فنزل في القصر ثم خرج إلى المنبر و عليه قباء سندس، و مطرف خز أحمر، قد فرق شعره، و حجر جالس و حوله أصحابه أكثر ما كانوا يومئذ، و كان من لبس من أصحابه يومئذ نحو من ثلاثة آلاف، و جلسوا حوله في المسجد في الحديد و السلاح، فخطب زياد فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد فان غب البغي و الغي وخيم، و إن هؤلاء أمنونى فاجترءوا على، و ايم اللَّه لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ثم قال: ما أنا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر و أصحابه و أدعه نكالا لمن بعده، ويل أمك يا حجر، سقط بك العشاء على سرحان. ثم قال:
أبلغ نصيحة أن راعى إبلها* * * سقط العشاء به على سرحان
و جعل زياد يقول في خطبته: إن من حق أمير المؤمنين- يعنى كذا و كذا- فأخذ حجر كفا حصباء فحصبه و قال: كذبت! عليك لعنة اللَّه. فانحدر زياد فصلى، ثم دخل القصر و استحضر حجرا، و يقال إن زيادا لما خطب طول الخطبة و أخر الصلاة فقال له حجر: الصلاة، فمضى في خطبته، فلما خشي فوت الصلاة عمد إلى كف من حصباء و نادى الصلاة، و ثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما انصرف من صلاته كتب إلى معاوية في أمره و كثر عليه، فكتب إليه معاوية: أن شده في الحديد و احمله إلى، فبعث إليه زياد و الى الشرطة- و هو شداد بن الهيثم- و معه أعوانه فقال له: إن الأمير يطلبك، فامتنع من الحضور إلى زياد، و قام دونه أصحابه، فرجع الوالي إلى زياد فأعلمه، فاستنهض زياد جماعات من القبائل فركبوا مع الوالي إلى حجر و أصحابه فكان بينهم قتال بالحجارة و العصي، فعجزوا عنه، فندب محمد بن الأشعث و أمهله ثلاثا و جهز معه جيشا، فركبوا في طلبه و لم يزالوا حتى أحضروه إلى زياد، و ما أغنى عنه قومه و لا من كان يظن أن ينصره فعند ذلك قيده زياد و سجنه عشرة أيام و بعث به إلى معاوية، و بعث معه جماعة يشهدون عليه أنه سب الخليفة، و أنه حارب الأمير، و أنه يقول: إن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل على بن أبى طالب.
و كان من جملة الشهود عليه أبو بردة بن أبى موسى، و وائل بن حجر، و عمر بن سعد بن أبى وقاص، و إسحاق، و إسماعيل، و موسى بنو طلحة بن عبيد اللَّه، و المنذر بن الزبير، و كثير بن شهاب، و ثابت بن ربعي، في سبعين و يقال: إنه كتبت شهادة شريح القاضي فيهم، و إنه أنكر ذلك و قال: