البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٣ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
محاجمه يهريقه فحساه، فلما رجع إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: «ما صنعت يا عبد اللَّه بالدم؟ قلت: جعلته في مكان ظننت أنه خاف على الناس، قال: فلعلك شربته؟ قلت نعم! قال: و من أمرك أن تشرب الدم؟ ويل لك من الناس، و ويل للناس منك».
و دخل سلمان الفارسي مرة على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فإذا عبد اللَّه بن الزبير قائم في الدهليز و معه طست يشرب منه، فدخل سلمان و دخل عبد اللَّه على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال له: «فرغت؟ قال: نعم: قال سلمان: و ما ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: أعطيته غسالة محاجمى يهريق ما فيها، قال سلمان: شربها و الّذي بعثك بالحق، قال شربته؟ قال: نعم! قال: لم؟
قال: أحببت أن يكون دم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في جوفي، فقال بيده على رأس ابن الزبير، و قال: ويل لك من الناس، و ويل للناس منك، لا تمسك النار إلا تحلة القسم».
و لما بعث يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير ذلك القيد من ذهب و سلسلة من فضة و جامعة من فضة و أقسم لتأتينى فيها، فقالوا له:
بر قسم أمير المؤمنين فقال:
و لا ألين لغير الحق أسأله* * * حتى تلين لضرس الماضغ الحجر
ثم قال: و اللَّه لضربة بسيف بعز، أحب إلى من ضربة بسوط في ذل، ثم دعا إلى نفسه و أظهر الخلاف ليزيد بن معاوية. و روى الطبراني أن ابن الزبير دخل على أمه فقال: إن في الموت لراحة، و كانت أمه قد أتت عليها مائة سنة لم تسقط لها سن، و لم يفسد لها بصر، فقالت: ما أحب أن أموت حتى آتى على أحد طرفيك، إما أن تملك فتقر عيني، و إما أن تقتل فأحتسبك، ثم خرج عنها و هو يقول:-
و لست بمبتاع الحياة بسبة* * * و لا بمريق من خشية الموت سلما
ثم أقبل على آل الزبير يعظهم و يقول ليكن أحدكم سيفه كما وجهه فيدفع عن نفسه بيده كأنه أمراه، و اللَّه ما بقيت زحفا قط إلا في الرعيل الأول، و ما ألمت جرحا إلا ألم الدواء، ثم حمل عليهم و معه سفيان، فأول من لقيه الأسود فضربه بسيفه حتى أطن رجله، فقال له الأسود: أخ يا ابن الزانية، فقال له ابن الزبير: اخسأ يا ابن حام، أسماء زانية؟ ثم أخرجهم من المسجد، و كان على ظهر المسجد جماعة من أعوانه يرمون أعداءه بالآجر، فأصابته آجرة من أعوانه من غير قصد في مفرق رأسه ففلقت رأسه فوقف قائما و هو يقول: لو كان قرني واحدا كفيته و يقول:-
و لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا* * * و لكن على أقدامنا يقطر الدم
ثم وقع فأكب عليه موليان له و هما يقولان: العبد يحمى ربه و يحتمي. ثم أرسلوا إليه فحزوا رأسه. و روى الطبراني أيضا عن إسحاق بن أبى إسحاق قال: أنا حاضر مقتل عبد اللَّه بن الزبير في المسجد الحرام، يوم قتل جعلت الجيوش تدخل من أبواب المسجد، و كلما دخل قوم من باب حمل