البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٣ - وقعة عين وردة
مراحل، ما يتقدمون مرحلة إلى نحو الشام إلا تخلف عنه طائفة من الناس الذين معه، فلما مروا بقبر الحسين صاحوا صيحة واحدة و تباكوا و باتوا عنده ليلة يصلون و يدعون، و ظلوا يوما يترحمون عليه و يستغفرون له و يترضون عنه و يتمنون أن لو كانوا ماتوا معه شهداء. قلت: لو كان هذا العزم و الاجتماع قبل وصول الحسين إلى تلك المنزلة، لكان أنفع له و أنصر من اجتماع سليمان و أصحابه لنصرته بعد أربع سنين، و لما أرادوا الانصراف جعل لا يريم أحد منهم حتى يأتى القبر فيترحم عليه و يستغفر له، حتى جعلوا يزدحمون أشد من ازدحامهم عند الحجر الأسود. ثم ساروا قاصدين الشام، فلما اجتازوا بقرقيسياء تحصن منهم زفر بن الحارث، فبعث إليه سليمان بن صرد: إنا لم نأت لقتالكم فأخرج إلينا سوقا فانا إنما نقيم عندكم يوما أو بعض يوم، فأمر زفر بن الحارث أن يخرج إليهم سوق، و أمر للرسول إليه و هو المسيب بن نجية بفرس و ألف درهم. فقال: أما المال فلا. و أما الفرس فنعم. و بعث زفر بن الحارث إلى سليمان بن صرد و رءوس الأمراء الذين معه إلى كل واحد عشرين جزورا و طعاما و علفا كثيرا، ثم خرج زفر بن الحارث فشيعهم، و سار مع سليمان بن صرد و قال له: إنه قد بلغني أن أهل الشام قد جهزوا جيشا كثيفا و عددا كثيرا، مع حصين بن نمير، و شرحبيل بن ذي الكلاع، و أدهم بن محرز الباهلي. و ربيعة بن مخارق الغنوي، و جبلة بن عبد اللَّه الخثعميّ. فقال سليمان بن صرد: على اللَّه توكلنا و على اللَّه فليتوكل المؤمنون. ثم عرض عليهم زفر أن يدخلوا مدينته أو يكونوا عند بابها، فان جاءهم أحد كان معهم عليه، فأبوا أن يقبلوا و قالوا: قد عرض علينا أهل بلدنا مثل ذلك فامتنعنا. قال: فاذ أبيتم ذلك فبادروهم إلى عين الوردة، فيكون الماء و المدينة و الأسواق و السباق خلف ظهوركم، و ما بيننا و بينكم فأنتم آمنون منه، ثم أشار عليهم بما يعتمدونه في حال القتال [فقال: و لا تقاتلوهم في فضاء فإنهم أكثر منكم عددا فيحيطون بكم، فانى لا أرى معكم رجالا و القوم ذوو رجال و فرسان، و معهم كراديس فاحذروهم] [١] فأثنى عليه سليمان بن صرد و الناس خيرا، ثم رجع عنهم، و سار سليمان بن صرد فبادر إلى عين الوردة فنزل غربيها، و أقام هناك قبل وصول أعدائه إليه، و استراح سليمان و أصحابه و اطمأنوا
وقعة عين وردة
فلما اقترب أهل الشام إليهم خطب سليمان أصحابه فرغبهم في الآخرة و زهدهم في الدنيا، و حثهم على الجهاد، و قال: إن قتلت فالأمير عليكم المسيب بن نجية، فان قتل فعبد اللَّه بن سعد بن نفيل، فان قتل فعبد اللَّه بن وال، فان قتل فرفاعة بن شداد، ثم بعث بين يديه المسيّب بن نجية في خمسمائة فارس، فأغاروا على جيش ابن ذي الكلاع و هم عارون، فقتلوا منهم جماعة و جرحوا آخرين،
[١] سقط من المصرية