البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٤ - أبو هريرة الدوسيّ رضى اللَّه عنه
كأنه مجنون، يريد بذلك أن يضحكهم، فيفزع الصبيان منه و يفرون عنه هاهنا و هاهنا يتضاحكون.
قال أبو رافع: و ربما دعاني أبو هريرة إلى عشائه بالليل فيقول: دع العراق للأمير- يعنى قطع اللحم- قال: فأنظر فإذا هو ثريد بالزيت. و قال ابن وهب: حدثني عمرو بن الحارث عن يزيد بن زياد القرظي أن ثعلبة بن أبى مالك حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمة حطب و هو يومئذ خليفة مروان فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبى مالك. فقلت: أصلحك اللَّه تلقى هذا، فقال: أوسع الطريق للأمير و الحزمة عليه. و قد تقدم هذا. و روى نحوه من غير وجه. و قال أبو الزعيزعة كاتب مروان:
بعث مروان إلى أبى هريرة بمائة دينار، فلما كان الغد بعث إليه: إني غلطت و لم أردك بها، و إني إنما أردت غيرك. فقال أبو هريرة: قد أخرجتها فإذا خرج عطائي فخذها منه- و كان قد تصدق بها- و إنما أراد مروان اختباره. و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الجبار ثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: كان معاوية إذا أعطى أبا هريرة سكت، و إذا أمسك عنه تكلم.
و روى غير واحد عن أبى هريرة أنه جاءه شاب فقال: يا أبا هريرة إني أصبحت صائما فدخلت على أبى فجاءني بخبز و لحم فأكلت ناسيا، فقال: طعمة أطعمكها اللَّه لا عليك، قال: ثم دخلت دارا لأهلى فجيء بلبن لقحة فشربته ناسيا، قال: لا عليك، قال: ثم نمت فاستيقظت فشربت ماء، و في رواية و جامعت ناسيا، فقال أبو هريرة: إنك يا ابن أخى لم تعتد الصيام. [و قال غير واحد: كان أبو هريرة إذا رأى الجنازة قال: روحوا فانا غادون، أو اغدوا فانا رائحون. و روى غير واحد أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: على قلة الزاد و شدة المفازة، و أنا على عقبة هبوط إما إلى جنة أو إلى نار فما أدرى إلى أيهما أصير] [١] و قال مالك عن سعيد بن أبى سعيد المقبري. قال: دخل مروان على أبى هريرة في مرضه الّذي مات فيه فقال: شفاك اللَّه يا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: اللَّهمّ إني أحب لقاءك فأحب لقائي. قال: فما بلغ مروان أصحاب القطن حتى مات أبو هريرة و قال يعقوب ابن سفيان عن دحيم عن الوليد بن جابر عن عمير بن هانئ. قال قال أبو هريرة: اللَّهمّ لا تدركني سنة ستين، قال: فتوفى فيها أو قبلها بسنة، و هكذا قال الواقدي: إنه توفى سنة تسع و خمسين، عن ثمان و سبعين سنة، قال الواقدي: و هو الّذي صلى على عائشة في رمضان، و على أم سلمة في شوال سنة تسع و خمسين، ثم توفى أبو هريرة بعدهما فيها، كذا قال، و الصواب أن أم سلمة تأخرت بعد أبى هريرة. و قد قال غير واحد: إنه توفى سنة تسع و خمسين و قيل ثمان، و قيل سبع و خمسين، و المشهور تسع و خمسين. قالوا: و صلى عليه الوليد بن عتبة بن أبى سفيان نائب المدينة، و في القوم ابن عمر و أبو سعيد و خلق من الصحابة و غيرهم، و كان ذلك عند صلاة العصر، و كانت وفاته في داره بالعقيق،
[١] سقط من نسخة طوب قبو بالأستانة