البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٣ - أبو هريرة الدوسيّ رضى اللَّه عنه
إلى أحدهم من الذهب الأحمر. و روى عطاء عن أبى هريرة قال: إذا رأيتم ستا فان كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني، إذا أمرت السفهاء، و بيع الحكم، و تهون بالدم، و قطعت الأرحام، و كثرت الجلاوزة، و نشأ نشو يتخذون القرآن مزامير. و قال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن يزيد بن زياد القرظي أن ثعلبة بن أبى مالك القرظي حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمتى حطب- و هو يومئذ أمير لمروان بن الحكم- فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبى مالك، [فقلت يرحمك اللَّه يكفى هذا! فقال: أوسع الطريق للأمير و الحزمة عليه] [١] و له فضائل و مناقب كثيرة و كلام حسن و مواعظ جمة، أسلم كما قدمنا عام خيبر، فلزم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لم يفارقه إلا حين بعثه مع العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين، و وصاه به، فجعله العلاء مؤذنا بين يديه، و قال له أبو هريرة: لا تسبقني بآمين أيها الأمير. و قد استعمله عمر بن الخطاب عليها في أيام إمارته، و قاسمه مع جملة العمال. قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين. أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال أي عدو اللَّه و عدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو اللَّه و لا عدو كتابه، و لكن عدو من عاداهما.
فقال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل نتجت، و غلة و رقيق لي، و أعطية تتابعت على. فنظروا فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل و قد طلبه من كان خيرا منك؟ طلبه يوسف (عليه السلام)، فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، و أنا أبو هريرة بن أمية و أخشى ثلاثا و اثنين، قال عمر: فهلا قلت خمسة؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، و أقضى بغير حلم، أو يضرب ظهري، و ينزع مالي، و يشتم عرضي. و ذكر غيره أن عمر غرمه في العمالة الأولى اثنى عشر ألفا فلهذا امتنع في الثانية. و قال عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن زياد.
قال: كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة فإذا غضب عليه عزله و ولى مروان بن الحكم، فإذا جاء أبو هريرة إلى مروان حجبه عنه، فعزل مروان و رجع أبو هريرة، فقال لمولاه: من جاءك فلا ترده و احجب مروان، فلما جاء مروان دفع الغلام في صدره فما دخل إلا بعد جهد جهيد، فلما دخل قال:
إن الغلام حجبنا عنك، فقال له أبو هريرة: إنك أحق الناس أن لا تغضب من ذلك. و المعروف أن مروان هو الّذي كان يستنيب أبا هريرة في إمرة المدينة، و لكن كان يكون عن إذن معاوية في ذلك و اللَّه أعلم. و قال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب الحمار و يلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير- يعنى نفسه- و كان يمر بالصبيان و هم يلعبون بالليل لعبة الأعراب، و هو أمير، فلا يشعرون إلا و قد ألقى نفسه بينهم و يضرب برجليه
[١] سقط من المصرية