البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٤ - صفة مخرج الحسين إلى العراق و ما جرى له بعد ذلك
العاص نائب الحرمين: إني أسأل اللَّه أن يلهمك رشدك، و أن يصرفك عما يرديك، بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق، و إني أعيذك اللَّه من الشقاق، فإنك إن كنت خائفا فاقبل إلى، فلك عندي الأمان و البر و الصلة.
فكتب إليه الحسين: إن كنت أردت بكتابك بري و صلتي فجزيت خيرا في الدنيا و الآخرة، و إنه لم يشاقق من دعا إلى اللَّه و عمل صالحا و قال إنني من المسلمين، و خير الأمان أمان اللَّه، و لم يؤمن باللَّه من لم يخفه في الدنيا، فنسأل اللَّه مخافة في الدنيا توجب لنا أمانا يوم القيامة عنده.
قالوا: و كتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكة، و أحسبه قد جاءه رجال من أهل المشرق فمنوه الخلافة، و عندك منهم خبر و تجربة، فان كان قد فعل فقد قطع راسخ القرابة، و أنت كبير أهل بيتك و المنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة. و كتب بهذه الأبيات إليه و إلى من بمكة و المدينة من قريش:-
يا أيها الراكب العادي مطيته* * * على غذافرة في سيرها فحم
أبلغ قريشا على نأى المزار بها* * * بيني و بين حسين اللَّه و الرحم
و موقف بفناء البيت أنشده* * * عهد الإله و ما توفى به الذمم
عنيتم قومكم فخرا بأمكم* * * أم لعمري حصان برة كرم
هي التي لا يدانى فضلها أحد* * * بنت الرسول و خير الناس قد علموا
و فضلها لكم فضل و غيركم* * * من قومكم لهم في فضلها قسم
إني لأعلم أو ظنا كعالمه* * * و الظن يصدق أحيانا فينتظم
أن سوف يترككم ما تدعون بها* * * قتلى تهاداكم العقبان و الرخم
يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ مسكت* * * و مسكوا بحبال السلم و اعتصموا
قد جرب الحرب من قد كان قبلكم* * * من القرون و قد بادت بها الأمم
فانصفوا قومكم لا تهلكوا برحا* * * فرب ذي برح زلت به القدم
قال: فكتب إليه ابن عباس: إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، و لست أدع النصيحة له في كل ما تجتمع به الألفة و تطفى به الثائرة، و دخل ابن عباس على الحسين فكلمه طويلا و قال له: أنشدك أن تهلك غدا بحال مضيعة لا تأتى العراق، و إن كنت لا بد فاعلا فأقم حتى ينقضي الموسم و تلقى الناس و تعلم ما يصدرون، ثم ترى رأيك، و ذلك في عشر ذي الحجة. فأبى الحسين إلا أن يمضى إلى العراق، فقال له ابن عباس: و اللَّه إني لأظنك ستقتل غدا بين نسائك و بناتك كما قتل عثمان بين نسائه و بناته، و اللَّه إني لأخاف أن تكون أنت الّذي يقاد به عثمان، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
فقال له الحسين: أبا العباس إنك شيخ قد كبرت، فقال له ابن عباس: لو لا أن يزرى