البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٦ - صفة مخرج الحسين إلى العراق و ما جرى له بعد ذلك
قال الزبير بن بكار: و حدثني محمد بن الضحاك قال: لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة مر بباب المسجد الحرام و قال:
لا ذعرت السوام في فلق الصبح* * * مغيرا و لا دعيت يزيدا
يوم أعطى مخافة الموت ضيما* * * و المنايا ترصدننى أن أحيدا
و قال أبو مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبى خيثمة عن عدي بن حرملة الأسدي عن عبد اللَّه ابن سليم و المنذر بن المشمعل الأسديين قالا: خرجنا حاجين من الكوفة فقدمنا مكة فدخلنا يوم التروية فإذا نحن بالحسين و ابن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر و الباب، فسمعنا ابن الزبير و هو يقول للحسين: إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الأمر فوازرناك و ساعدناك و نصحنا لك و بايعناك؟.
فقال الحسين: إن أبى حدثني أن لها كبشا يستحل حرمتها يقتل، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش.
فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئت و ولنى أنا الأمر فتطاع و لا تعصى، فقال:
و ما أريد هذا أيضا، ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاة الناس متوجهين إلى منى عند الظهيرة، قالا: فطاف الحسين بالبيت و بين الصفا و المروة، و قصّر من شعره، و حل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة و توجهنا نحن مع الناس إلى منى.
و قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان. قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد- يعنى نائب مكة- عليهم أخوه يحيى بن سعيد، فقالوا له:
انصرف أين تريد؟ فأبى عليهم و مضى، و تدافع الفريقان و تضاربوا بالسياط و العصي، ثم إن حسينا و أصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويا، و مضى الحسين على وجهه ذلك، فناداه: يا حسين ألا تتقى اللَّه؟
تخرج من الجماعة و تفرق بين الأمة بعد اجتماع الكلمة؟ قال: فتأول الحسين هذه الآية لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ قال: ثم إن الحسين مر بالتنعيم فلقى بها عيرا قد بعث بها يجير بن زياد الحميري نائب اليمن قد أرسلها من اليمن إلى يزيد بن معاوية، عليها ورس و حلل كثيرة، فأخذها الحسين و انطلق بها، و استأجر أصحاب الجمال عليها إلى الكوفة، و دفع إليهم أجرتهم، ثم ساق أبو مخنف باسناده الأول أن الفرزدق لقي الحسين في الطريق فسلم عليه و قال له: أعطاك اللَّه سؤلك و أملك فيما تحب. فسأله الحسين عن أمر الناس و ما وراءه فقال له: قلوب الناس معك، و سيوفهم مع بنى أمية، و القضاء ينزل من السماء، و اللَّه يفعل ما يشاء.
فقال له: صدقت، للَّه الأمر من قبل و من بعد، يفعل ما يشاء، و كل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد اللَّه على نعمائه. و هو المستعان على أداء الشكر، و إن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعدّ من كان الحق نيته، و التقوى سريرته، ثم حرك الحسين راحلته و قال: