البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٢ - ثم دخلت سنة ثلاث و ستين
و أكرمك. قال: قد فعل و ما قبلت منه إلا لأتقوّى به على قتاله، فحض الناس فبايعوه، فبلغ ذلك يزيد فبعث إليهم مسلم بن عقبة، و قد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم و بين الشام فصبوا فيه زقا من قطران و غوّروه، فأرسل اللَّه على جيش الشام السماء مدرارا بالمطر، فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة، فخرج أهل المدينة بجموع كثيرة و هيئة لم ير مثلها، فلم رآهم أهل الشام هابوهم و كرهوا قتالهم، و كان أميرهم مسلم شديد الوجع، فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة، قد أقحم عليهم بنو حارثة من أهل الشام و هم على الجدر، فانهزم الناس فكان من أصيب في الخندق أعظم ممن قتل، فدخلوا المدينة و عبد اللَّه بن حنظلة مستند إلى الجدار يغط نوما، فنبهه ابنه، فلما فتح عينيه و رأى ما صنع الناس، أمر أكبر بنيه فتقدم فقاتل حتى قتل، فدخل مسلم بن عقبة المدينة فدعا الناس للبيعة على أنهم خول ليزيد بن معاوية، و يحكم في دمائهم و أموالهم و أهليهم ما شاء.
و قد روى ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد الصمد من تاريخه من كتاب المجالسة لأحمد بن مروان المالكي: ثنا الحسين بن الحسن اليشكري ثنا الزيادي عن الأصمعي ح. و حدثني محمد بن الحارث عن المدائني قال: لما قتل أهل الحرة هتف هاتف بمكة على أبى قبيس مساء تلك الليلة، و ابن الزبير جالس يسمع:-
و الصائمون القانتون* * * أولو العبادة و الصلاح
المهتدون المحسنون* * * السابقون إلى الفلاح
ما ذا بواقم و البقيع* * * من الجحاجحة الصباح
و بقاع يثرب و يحهنن* * * من النوادب و الصياح
قتل الخيار بنوا الخيار* * * ذوى المهابة و السماح
فقال ابن الزبير: يا هؤلاء قتل أصحابكم ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و قد أخطأ يزيد خطأ فاحشا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام، و هذا خطأ كبير فاحش، مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة و أبنائهم، و قد تقدم أنه قتل الحسين و أصحابه على يدي عبيد اللَّه بن زياد. و قد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبويّة ما لا يحد و لا يوصف، مما لا يعلمه إلا اللَّه عز و جل، و قد أراد بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه و ملكه، و دوام أيامه من غير منازع، فعاقبه اللَّه بنقيض قصده، و حال بينه و بين ما يشتهيه، فقصمه اللَّه قاصم الجبابرة، و أخذه أخذ عزيز مقتدر [و كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى و هي ظالمة إن أخذه أليم شديد.] [١]
[١] سقط من المصرية.