البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٥ - ثم دخلت سنة أربع و ستين
قال: اللَّهمّ إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، أحب إليّ من قتل أهل المدينة، و أجزى عندي في الآخرة. و إن دخلت النار بعد ذلك إني لشقي، ثم مات قبحه اللَّه و دفن بالمسلك فيما قاله الواقدي.
[ثم أتبعه اللَّه بيزيد بن معاوية فمات بعده في ربيع الأول لأربع عشرة ليلة خلت منه، فما متعهما اللَّه بشيء مما رجوه و أملوه، بل قهرهم القاهر فوق عباده، و سلبهم الملك، و نزعه منهم من ينزع الملك ممّن يشاء] [١] و سار حصين بن نمير بالجيش نحو مكة فانتهى إليها لأربع بقين من المحرم فيما قاله الواقدي، و قيل لسبع مضين منه، و قد تلاحق بابن الزبير جماعات ممن بقي من أشراف أهل المدينة، و انضاف إليه أيضا نجدة بن عامر الحنفي- من أهل اليمامة- في طائفة من أهلها ليمنعوا البيت من أهل الشام، فنزل حصين بن نمير ظاهر مكة، و خرج إليه ابن الزبير في أهل مكة و من التف معه فاقتتلوا عند ذلك قتالا شديدا، و تبارز المنذر بن الزبير و رجل من أهل الشام فقتل كل واحد منهما صاحبه، و حمل أهل الشام على أهل مكة حملة صادقة، فانكشف أهل مكة، و عثرت بغلة عبد اللَّه بن الزبير به، فكرّ عليه المسور بن مخرمة و مصعب بن عبد الرحمن بن عوف و طائفة فقاتلوا دونه حتى قتلوا جميعا، و صابرهم ابن الزبير حتى الليل فانصرفوا عنه ثم اقتتلوا في بقية شهر المحرم و صفرا بكماله، فلما كان يوم السبت ثالث ربيع الأول سنة أربع و ستين نصبوا المجانيق على الكعبة و رموها حتى بالنار، فاحترق جدار البيت في يوم السبت، هذا قول الواقدي، و هم يقولون:
خطّاره مثل الفتيق المزبد* * * ترمى بها جدران هذا المسجد
و جعل عمر بن حوطة السدوسي يقول:-
كيف ترى صنيع أم فروه* * * تأخذهم بين الصفا و المروة
و أم فروة اسم المنجنيق، و قيل: إنما احترقت لأن أهل المسجد جعلوا يوقدون النار و هم حول الكعبة، فعلقت النار في بعض أستار الكعبة فسرت إلى أخشابها و سقوفها فاحترقت، و قيل إنما احترقت لأن ابن الزبير سمع التكبير على بعض جبال مكة في ليلة ظلماء فظن أنهم أهل الشام، فرفعت نار على رمح لينظروا من هؤلاء الذين على الجبل، فأطارت الريح شررة من رأس الرمح إلى ما بين الركن اليماني و الأسود من الكعبة، فعلقت في أستارها و أخشابها فاحترقت، و اسود الركن و انصدع في ثلاثة أمكنة منه. و استمر الحصار إلى مستهل ربيع الآخر، و جاء الناس نعى يزيد بن معاوية، و أنه قد مات لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع و ستين، و هو ابن خمس
[١] سقط من المصرية.