البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٣ - ذكر صفة أخرى لرؤيته جبريل
قلت أعلم الناس. و قال يعقوب بن سفيان ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن الزبير بن الحارث عن عكرمة قال: كان ابن عباس أعلمهما بالقرآن، و كان على أعلمهما بالمبهمات، و قال إسحاق بن راهويه:
إنما كان كذلك لأن ابن عباس كان قد أخذ ما عند على من التفسير، و ضم إلى ذلك ما أخذه عن أبى بكر و عمر و عثمان و أبى بن كعب و غيرهم من كبار الصحابة. مع دعاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) له أن يعلمه اللَّه الكتاب. و قال أبو معاوية عن الأعمش عن أبى وائل شقيق بن سلمة قال: خطب ابن عباس و هو على الموسم فافتتح سورة البقرة فجعل يقرؤها و يفسرها فجعلت أقول ما رأيت و لا سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته فارس و الروم لأسلمت. و قد روى أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجود عن أبى وائل أن ابن عباس حج بالناس عام قتل عثمان فقرأ سورة النور و ذكر نحو ما تقدم، فلعل الأول كان في زمان على فقرأ في تلك الحجة سورة البقرة، و في فتنة عثمان سورة النور، و اللَّه أعلم.
و قد روينا عن ابن عباس أنه قال: إنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، و قال مجاهد:
عرضت القرآن على ابن عباس مرتين أقف عند كل آية فأسأل عنها، و روى عنه أنه قال: أربع من القرآن لا أدرى ما به جيء. الأواه، و الحنان، و الرقيم، و الغسلين. و كل القرآن أعلمه إلا هذه الأربع. و قال ابن وهب و غيره عن سفيان بن عيينة عن عبيد اللَّه بن أبى يزيد. قال: كان ابن عباس إذا سئل عن مسألة فان كانت في كتاب اللَّه قال بها، و إن لم تكن و هي في السنة قال بها، فان لم يقلها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و وجدها عن أبى بكر و عمر قال بها، و إلا اجتهد رأيه، و قال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو عاصم و عبد الرحمن بن الشعبي عن كهمس بن الحسن عن عبد اللَّه بن بريدة. قال:
شتم رجل ابن عباس فقال له: إنك لتشتمنى و في ثلاث خصال، إني لآتي على الآية من كتاب اللَّه فأود أن الناس علموا منها مثل الّذي أعلم، و إني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضى بالعدل و يحكم بالقسط فأفرح به و أدعو إليه، و لعلى لا أقاضى إليه و لا أحاكم أبدا و إني لأسمع بالغيث يصيب الأرض من أرض المسلمين فأفرح به و ما لي بها من سائمة أبدا، و رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن مكرم عن يزيد بن هارون عن كهمس به. و قال ابن أبى مليكة: صحبت ابن عباس من المدينة إلى مكة، و كان يصلى ركعتين فإذا نزل قام شطر الليل و يرتل القرآن حرفا حرفا، و يكثر في ذلك من النشيج و النحيب و يقرأ وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ و قال الأصمعي عن المعتمر بن سليمان عن شعيب بن درهم قال: كان في هذا المكان- و أومأ إلى مجرى الدموع من خديه يعنى خدي ابن عباس- مثل الشراك البالي من البكاء. و قال غيره: كان يصوم يوم الإثنين و الخميس، و قال: أحب أن يرتفع عملي و أنا صائم، و روى هاشم و غيره عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن ملك الروم كتب إلى معاوية يسأله عن أحب الكلام