البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٠ - ذكر صفة أخرى لرؤيته جبريل
يصعد المنبر ليلة عرفة و يجتمع أهل البصرة حوله فيفسر شيئا من القرآن، و يذكر الناس من بعد العصر إلى الغروب، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب، و قد اختلف العلماء بعده في ذلك، فمنهم من كره ذلك و قال: هو بدعة لم يعملها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لا أحد من أصحابه إلا ابن عباس، و منهم من استحب ذلك لأجل ذكر اللَّه و موافقة الحجاج.
و قد كان ابن عباس ينتقد على على في بعض أحكامه فيرجع إليه على في ذلك، كما
قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عكرمة أن عليا حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم بالنار، إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «لا تعذبوا بعذاب اللَّه» بل كنت قاتلهم لقول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «من بدل دينه فاقتلوه». فبلغ ذلك عليا فقال: ويح ابن عباس، و في رواية ويح ابن عباس إنه لغواص على الهنات و قد كافأه على فان ابن عباس كان يرى إباحة المتعة، و إنها باقية، و تحليل الحمر الانسية، فقال على: إنك امرؤ تائه، إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «نهى عن نكاح المتعة و عن لحوم الحمر الانسية يوم خيبر».
و هذا الحديث مخرج في الصحيحين و غيرهما، و له ألفاظ هذا من أحسنها و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
و قال البيهقي: أنبأ أبو عبد اللَّه الحافظ قال سمعت أبا بكر بن المؤمل يقول سمعت أبا نصر بن أبى ربيعة يقول: ورد صعصعة بن صوحان على على بن أبى طالب من البصرة فسأله عن ابن عباس- و كان على خلفه بها- فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين، إنه آخذ بثلاث و تارك لثلاث، آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، و بحسن الاستماع إذا حدث و بأيسر الأمرين إذا خولف. و ترك المراء و مقارنة اللئيم، و ما يعتذر منه. و قال الواقدي: ثنا أبو بكر بن أبى سبرة عن موسى بن سعيد عن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه. قال: ما رأيت أحدا أحضر فهما و لا ألب لبا، و لا أكثر علما، و لا أوسع حلما من ابن عباس، و لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ثم يقول: عندك قد جاءتك معضلة، ثم لا يجاوز قوله، و إن حوله لأهل بدر من المهاجرين و الأنصار. و قال الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق قال قال عبد اللَّه بن مسعود: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد. و كان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، و عن ابن عمر أنه قال: ابن عباس أعلم الناس بما أنزل اللَّه على محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و قال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر حدثني يحيى بن العلاء عن يعقوب بن زيد عن أبيه قال سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول حين بلغه موت ابن عباس و صفق بإحدى يديه على الأخرى:
مات اليوم أعلم الناس و أحلم الناس، و قد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا ترتق. و به إلى يحيى بن العلاء عن عمر بن عبد اللَّه عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. قال: لما مات ابن عباس قال رافع ابن خديج: مات اليوم من كان يحتاج إليه من بين المشرق و المغرب في العلم. قال الواقدي: و حدثني