البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٢ - وقعة مرج راهط و مقتل الضحاك بن قيس الفهري رضى اللَّه عنه
أو غابوا، و يقيم الحدود و يسد الأمور، فلما مات معاوية قام بأعباء بيعة يزيد ابنه، ثم لما مات يزيد بايع الناس لمعاوية بن يزيد، فلما مات معاوية بن يزيد بايعه الناس من دمشق حتى تجتمع الناس على إمام، فلما اتسعت البيعة لابن الزبير عزم على المبايعة له، فخطب الناس يوما و تكلم في يزيد بن معاوية و ذمه، فقامت فتنة في المسجد الجامع، حتى اقتتل الناس فيه بالسيوف، فسكن الناس ثم دخل دار الامارة من الخضراء و أغلق عليه الباب، ثم اتفق مع بنى أمية على أن يركبوا إلى حسان ابن مالك بن بحدل و هو بالأردن فيجتمعوا عنده على من يراه أهلا للامارة، و كان حسان يريد أن يبايع لابن أخته خالد بن يزيد، و يزيد ابن ميسون، و ميسون بنت بحدل، أخت حسان، فلما ركب الضحاك معهم انخذل بأكثر الجيش فرجع إلى دمشق فامتنع بها، و بعث إلى أمراء الأجناد فبايعهم لابن الزبير، و سار بنو أمية و معهم مروان و عمرو بن سعيد، و خالد و عبد اللَّه ابنا يزيد بن معاوية، حتى اجتمعوا بحسان بن مالك بالجابية. و ليس لهم قوة طائلة بالنسبة إلى الضحاك بن قيس، فعزم مروان على الرحيل إلى ابن الزبير ليبايعه و يأخذ أمانا منه لبني أمية، فإنه كان قد أمر بأجلائهم عن المدينة، فسار حتى وصل إلى أذرعات فلقيه عبيد اللَّه بن زياد مقبلا من العراق، فاجتمع به و معه حصين بن نمير، و عمرو بن سعيد بن العاص، فحسنوا إليه أن يدعو إلى نفسه، فإنه أحق بذلك من ابن الزبير الّذي قد فارق الجماعة و خلع ثلاثة من الخلفاء، فلم يزالوا بمروان حتى أجابهم إلى ذلك، و قال له عبيد اللَّه بن زياد: و أنا أذهب لك إلى الضحاك إلى دمشق فأخدعه لك و أخذل أمره، فسار إليه و جعل يركب إليه كل يوم و يظهر له الود و النصيحة و المحبة، ثم حسن له أن يدعو إلى نفسه و يخلع ابن الزبير فإنك أحق بالأمر منه، لأنك لم تزل في الطاعة مشهورا بالأمانة، و ابن الزبير خارج عن الناس، فدعا الضحاك الناس إلى نفسه ثلاثة أيام فلم يصمد معه، فرجع إلى الدعوة لابن الزبير، و لكن انحط بها عند الناس، ثم قال له ابن زياد: إن من يطلب ما تطلب لا ينزل المدن و الحصون، و إنما ينزل الصحراء و يدعو إليه بالجنود، فبرز الضحاك إلى مرج راهط فنزله، و أقام ابن زياد بدمشق و بنو أمية بتدمر، و خالد و عبد اللَّه عند خالهم حسان بالجابية، فكتب ابن زياد إلى مروان يأمره أن يظهر دعوته، فدعا إلى نفسه، و تزوج بأم خالد بن يزيد- و هي أم هاشم. بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة- فعظم أمره و بايعه الناس، و اجتمعوا عليه، و سار إلى مرج راهط نحو الضحاك بن قيس، و ركب إليه عبيد اللَّه بن زياد و أخوه عباد بن زياد، حتى اجتمع مع مروان ثلاثة عشر ألفا، و بدمشق من جهته يزيد بن أبى النمر، و قد أخرج عامل الضحاك منها و هو يمد مروان بالسلاح و الرجال و غير ذلك. و يقال كان نائبة على دمشق يومئذ عبد الرحمن بن أم الحكم، و جعل مروان على ميمنته عبيد اللَّه بن زياد، و على ميسرته عمرو بن سعيد بن العاص، و بعث الضحاك