البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٢ - فصل
أولئك الذين قتلوه من آفة و عاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، و أكثرهم أصابهم الجنون. و للشيعة و الرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير و أخبار باطلة، و فيما ذكرنا كفاية، و في بعض ما أوردناه نظر، و لو لا أن ابن جرير و غيره من الحفاظ و الأئمة ذكروه ما سقته، و أكثره من رواية أبى مخنف لوط بن يحيى، و قد كان شيعيا، و هو ضعيف الحديث عند الأئمة، و لكنه أخبارى حافظ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره، و لهذا يترامى عليه كثير من المصنفين في هذا الشأن ممن بعده و اللَّه أعلم.
و قد أسرف الرافضة في دولة بنى بويه في حدود الأربعمائة و ما حولها فكانت الدبادب تضرب ببغداد و نحوها من البلاد في يوم عاشوراء، و يذر الرماد و التبن في الطرقات و الأسواق، و تعلق المسوح على الدكاكين، و يظهر الناس الحزن و البكاء، و كثير منهم لا يشرب الماء ليلتئذ موافقة للحسين لانه قتل عطشانا. ثم تخرج النساء حاسرات عن وجوههن ينحن و يلطمن وجوههن و صدورهن، حافيات في الأسواق إلى غير ذلك من البدع الشنيعة، و الأهواء الفظيعة، و الهتائك المخترعة و إنما يريدون بهذا و أشباهه أن يشنعوا على دولة بنى أمية، لانه قتل في دولتهم.
[و قد عاكس الرافضة و الشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام، فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب و يغتسلون و يتطيبون و يلبسون أفخر ثيابهم و يتخذون ذلك اليوم عيداً يصنعون فيه أنواع الأطعمة، و يظهرون السرور و الفرح، يريدون بذلك عناد الروافض و معاكستهم] [١].
و قد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها و ليخلع من بايعه من الناس و اجتمعوا عليه، و قد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، و التحذير منه، و التوعد عليه و بتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأوّلوا عليه و قتلوه و لم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الأمة كلها بكمالها و تتهم على نبيها (صلى اللَّه عليه و سلم)، فليس الأمر كما ذهبوا إليه، و لا كما سلكوه، بل أكثر الأئمة قديما و حديثا كاره ما وقع من قتله و قتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم اللَّه، و أكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم و مقاصدهم الفاسدة [فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون من الدنيا و آخذهم على ذلك و حملهم عليه بالرغبة و الرهبة، فانكفوا عن الحسين و خذلوه ثم قتلوه] [٢]. و ليس كل ذلك الجيش كان راضيا بما وقع من قتله، بل و لا يزيد بن معاوية رضى بذلك و اللَّه أعلم، و لا كرهه، و الّذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، و كما صرح هو به مخبرا عن
[١]، (٢) سقط من المصرية.