البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥ - في ذكر شيء من سيرته العادلة و سريرته الفاضلة و مواعظه و قضاياه الفاصلة و خطبه الكاملة و حكمه التي هي إلى القلوب واصله
و مشى خطا ثم رجع فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه يقضى عليه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، الدرع و اللَّه درعك يا أمير المؤمنين اتبعت الجيش و أنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأورق. فقال: أما إذ أسلمت فهي لك،
و حمله على فرس.
قال الشعبي: فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج يوم النهروان. و قال سعيد بن عبيد عن على بن ربيعة: جاء جعدة بن هبيرة إلى على فقال: يا أمير المؤمنين يأتيك الرجلان أنت أحب إلى أحدهما من أهله و ماله، و الآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك، فتقضى لهذا على هذا؟ قال:
فلهزه على و قال: إن هذا شيء لو كان لي فعلت، و لكن إنما ذا شيء للَّه.
و قال أبو القاسم البغوي:
حدثني جدي ثنا على بن هاشم عن صالح بياع الأكسية عن جدته قالت: رأيت عليا اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقال رجل: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك؟ فقال: أبو العيال أحق بحمله.
و عن أبى هاشم عن زاذان قال: كان على يمشى في الأسواق وحده و هو خليفة يرشد الضال و يعين الضعيف و يمر بالبياع و البقال فيفتح عليه القرآن و يقرأ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً، ثم يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل و التواضع من الولاة و أهل القدرة من سائر الناس.
و عن عبادة بن زياد عن صالح بن أبى الأسود عمن حدثه أنه رأى عليا قد ركب حمارا و دلى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الّذي أهنت الدنيا.
و قال يحيى بن معين عن على ابن الجعد عن الحسن بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون: فلان، و قال قائلون: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا على بن أبى طالب. و قال هشام ابن حسان: بينا نحن عند الحسن البصري إذ أقبل رجل من الأزارقة فقال: يا أبا سعيد ما تقول في على بن أبى طالب؟ قال: فاحمرت وجنتا الحسن و قال: رحم اللَّه عليا، إن عليا كان سهما للَّه صائبا في أعدائه، و كان في محلة العلم أشرفها و أقربها إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان رهباني هذه الأمة، لم يكن لمال اللَّه بالسروقة، و لا في أمر اللَّه بالنومة، أعطى القرآن عزائمه و عمله و علمه، فكان منه في رياض مونقة، و أعلام بينة، ذاك على بن أبى طالب يا لكع. و قال هشيم عن يسار عن عمار. قال:
حدث رجل على بن أبى طالب بحديث فكذبه فما قام حتى عمى: و قال أبو بكر بن أبى الدنيا.
حدثني شريح بن يونس ثنا هشيم عن إسماعيل بن سالم عن عمار الحضرميّ عن زاذان أبى عمر أن رجلا حدث عليا بحديث فقال: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل قال: أدعو عليك إن كنت كذبت، قال: ادع! فدعا فما برح حتى عمى.
و قال ابن أبى الدنيا: حدثنا خلف بن سالم ثنا محمد بن بشر عن أبى مكين قال: مررت أنا و خالي أبو أمية على دار في محل حي من مراد، قال: ترى هذه الدار؟
قلت: نعم! قال: فان عليا مر عليها و هم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجته فدعا اللَّه أن لا يكمل