البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧ - في ذكر شيء من سيرته العادلة و سريرته الفاضلة و مواعظه و قضاياه الفاصلة و خطبه الكاملة و حكمه التي هي إلى القلوب واصله
الجنة، ألا و إنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الوحشة، ألا و إن وراء ذلك يوم يشيب فيه الصغير و يسكر فيه الكبير، وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ألا و إن وراء ذلك ما هو أشد منه، نار حرها شديد، و قعرها بعيد، و جليها و مقامعها حديد، و ماؤها صديد، و خازنها مالك ليس للَّه فيه رحمة. قال: ثم بكى و بكى المسلمون حوله، ثم قال: ألا و إن وراء ذلك جنة عرضها السموات و الأرض أعدت للمتقين، جعلنا اللَّه و إياكم من المتقين، و أجارنا و إياكم من العذاب الأليم. و رواه ليث بن أبى سليم عن مجاهد حدثني من سمع عليا فذكر نحوه.
و قال وكيع عن عمرو بن منبه عن أوفى بن دلهم قال: خطب على فقال: أما بعد فان الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و إن الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع، و إن المضمار اليوم و غدا السباق، ألا و إنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله، ألا فاعملوا للَّه في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا و إنه لم أر كالجنة نام طالبها، و لم أر كالنار نام هاربها، و إنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، و من لم يستقم به الهدى حاد به الضلال، ألا و إنكم قد أمرتم بالظعن، و ذللتم على الزاد، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر و الفاجر، و إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء، و اللَّه يعدكم مغفرة منه و فضلا و اللَّه واسع عليم. أيها الناس: أحسنوا في أعماركم تحفظوا في أعقابكم، فان اللَّه وعد جنته من أطاعه، و أوعد ناره من عصاه، إنها نار لا يهدأ زفيرها، و لا يفك أسيرها، و لا يجبر كسيرها، حرها شديد، و قعرها بعيد، و ماؤها صديد، و إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل. و في رواية فان اتباع الهوى يصد عن الحق، و إن طول الأمل ينسى الآخرة.
و عن عاصم بن ضمرة قال: ذم رجل الدنيا عند على فقال على: الدنيا دار صدق لمن صدقها، و دار نجاة لمن فهم عنها، و دار غنا و زاد لمن تزود منها، و مهبط وحي اللَّه، و مصلى ملائكته، و مسجد أنبيائه، و متجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، و اكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها و قد آذنت بغيلها، و نادت بفراقها، و شابت بشرورها السرور، و ببلائها الرغبة فيها و الحرص عليها ترغيبا و ترهيبا، فيا أيها الذام للدنيا المعلل نفسه بالأمالي متى خدعتك الدنيا أو متى اشتدت إليك؟ أ بمصارع آبائك في البلى؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم مرضت بيديك، و عللت بكفيك، ممن تطلب له الشفاء، و تستوصف له الأطباء، لا يغنى عنه دواؤك، و لا ينفعه بكاؤك.
و قال سفيان الثوري و الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبى البختري. قال: جاء رجل إلى على فأطراه- و كان يبغض عليا- فقال له: لست كما تقول، و أنا فوق ما في نفسك.
و روى ابن عساكر أن رجلا قال لعلى: ثبتك اللَّه قال: على صدرك.
و قال ابن أبى الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا