البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٤ - أبو هريرة الدوسيّ رضى اللَّه عنه
إسماعيل عن قيس. قال قال أبو هريرة: جئت يوم خيبر بعد ما فرغوا من القتال. و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن أبى مريم ثنا الدراوَرْديّ. قال: حدثني خيثم عن عراك بن مالك عن أبيه عن أبى هريرة. قال: «خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و استخلف على المدينة سباع بن عرفطة، قال أبو هريرة: و قدمت المدينة فهاجروا فصليت الصبح وراء سباع فقرأ في السجدة الأولى سورة مريم، و في الثانية ويل للمطففين، قال أبو هريرة: فقلت في نفسي: ويل لأبى فلان، لرجل كان بأرض الأزد- و كان له مكيالان مكيال يكيل به لنفسه، و مكيال يبخس به الناس». و قد ثبت في صحيح البخاري أنه ضل غلام له في الليلة التي اجتمع في صبيحتها برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنه جعل ينشد:
يا ليلة من طولها و عنائها* * * على أنها من دارة الكفر نجت
فلما قدم على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال له: «هذا غلامك»؟ فقال هو حر لوجه اللَّه عز و جل.
و قد لزم أبو هريرة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعد إسلامه، فلم يفارقه في حضر و لا سفر، و كان أحرص شيء على سماع الحديث منه، و تفقه عنه، و كان يلزمه على شبع بطنه. و قال أبو هريرة- و قد تمخط يوما في قميص له كتان- بخ بخ، أبو هريرة يمتخط في الكتان، لقد رأيتني أخر فيما بين المنبر و الحجر من الجوع، فيمر المار فيقول: به جنون و ما بى إلا الجوع، و اللَّه الّذي لا إله إلا هو لقد كنت أعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، و أشد الحجر على بطني من الجوع، و لقد كنت أستقرئ أحدهم الآية و أنا أعلم بها منه، و ما بى إلا أن يستتبعنى إلى منزله فيطعمني شيئا، و ذكر حديث اللبن مع أهل الصفة كما قدمناه في دلائل النبوة. و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن ثنا عكرمة بن عامر حدثني أبو كثير- و هو يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة السحيمى الأعمى- حدثني أبو هريرة. قال: و اللَّه ما خلق اللَّه مؤمنا يسمع بى و لا يراني إلا أحبنى، قلت: و ما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمى كانت امرأة مشركة، و إني كنت أدعوها إلى الإسلام و كانت تأبى على، فدعوتها يوما فأسمعتنى في رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما أكره،
فأتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا أبكى، فقلت: يا رسول اللَّه إني كنت أدعو أمى إلى الإسلام فكانت تأبى على، و إني دعوتها اليوم فأسمعتنى فيك ما أكره، فادع اللَّه أن يهدى أم أبى هريرة، فقال: «اللَّهمّ اهد أم أبى هريرة» فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لها، فلما أتيت الباب إذا هو مجاف، و سمعت خضخضة (خشخشة) و سمعت خشف رجل- يعنى وقعها- فقالت: يا أبا هريرة كما أنت، ثم فتحت الباب و قد لبست درعها و عجلت عن خمارها أن تلبسه، و قالت: إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا عبده و رسوله، فرجعت إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبكى من الفرح كما بكيت من الحزن، فقلت: يا رسول اللَّه أبشر فقد استجاب اللَّه دعاءك، قد هدى اللَّه أم أبى هريرة، و قلت: يا رسول اللَّه أدعو اللَّه أن يحببنى و أمى إلى عباده المؤمنين، فقال: