البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٩ - ثم دخلت سنة تسع و ستين
في شرك؟. فلما تحقق عمرو ما يريد من قتله قال له: أعذرا يا ابن الزرقاء؟ و أسمعه كلاما رديئا بشعا، و بينما هما كذلك إذ أذن المؤذن للعصر، فقام عبد الملك ليخرج إلى الصلاة، و أمر أخاه عبد العزيز ابن مروان بقتله، و خرج عبد الملك و قام إليه عبد العزيز بالسيف فقال له عمرو: أذكرك اللَّه و الرحم أن لا تلى ذلك منى، و ليتول ذلك غيرك، فكف عنه عبد العزيز. و لما رأى الناس عبد الملك قد خرج و ليس معه عمرو أرجف الناس بعمرو، فأقبل أخوه يحيى بن سعيد في ألف عبد لعمرو بن سعيد و أناس معهم كثير، و أسرع عبد الملك الدخول إلى دار الامارة، و جاء أولئك فجعلوا يدقون باب الامارة و يقولون: أسمعنا صوتك يا أبا أمية، و ضرب رجل منهم الوليد بن عبد الملك في رأسه بالسيف فجرحه، فأدخله إبراهيم بن عدي صاحب الديوان بيتا، و أحرزه فيه، و وقعت خبطة عظيمة في المسجد، و ضجت الأصوات، و لما رجع عبد الملك وجد أخاه لم يقتله فلامه و سبه و سب أمه- و لم تكن أم عبد العزيز أم عبد الملك- فقال له: ناشدني اللَّه و الرحم، و كان ابن عمة عبد الملك بن مروان، ثم إن عبد الملك قال: يا غلام آتني بالحربة، فأتاه بها فهزها و ضربه بها فلم تغن شيئا، ثم ثنى فلم تغن شيئا، فضرب بيده إلى عضد عمرو فوجد مس الدرع فضحك و قال: أدارع أيضا؟ إن كنت معدا، يا غلام ائتني بالصمصامة، فأتاه بسيفه ثم أمر بعمرو فصرع ثم جلس على صدره فذبحه و هو يقول:-
يا عمرو إلا تدع شتمي و منقصتي* * * أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
قالوا: و انتفض عبد الملك بعد ما ذبحه كما تنتفض القصبة برعدة شديدة جدا، بحيث إنهم ما رفعوه عن صدره إلا محمولا، فوضعوه على سريره و هو يقول: ما رأيت مثل هذا قط قبله صاحب دنيا و لا آخرة، و دفع الرأس إلى عبد الرحمن بن أم الحكم فخرج إلى الناس فألقاه بين أظهرهم، و خرج عبد العزيز بن مروان و معه البدر من الأموال تحمل، فألقيت بين الناس فجعلوا يختطفونها، و يقال: إنها استرجعت بعد ذلك من الناس إلى بيت المال، و يقال إن الّذي ولى قتل عمرو بن سعيد مولى عبد الملك أبو الزعيزعة بعد ما خرج عبد الملك إلى الصلاة فاللَّه أعلم. و قد دخل يحيى بن سعيد- أخو عمرو بن سعيد- دار الامارة بعد مقتل أخيه بمن معه فقام إليهم بنو مروان فاقتتلوا، و جرح جماعات من الطائفتين، و جاءت يحيى بن سعيد صخرة في رأسه أشغلته عن نفسه و عن القتال، ثم إن عبد الملك بن مروان خرج إلى المسجد الجامع فصعد المنبر فجعل يقول: ويحكم أين الوليد؟ و أبيهم لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم، فأتاه إبراهيم بن عدي الكناني فقال: هذا الوليد عندي قد أصابته جراحة و ليس عليه بأس، ثم أمر عبد الملك بيحيى بن سعيد أن يقتل فتشفع فيه أخوه عبد العزيز ابن مروان، و في جماعات آخرين معه كان عبد الملك قد أمر بقتلهم، فشفعه فيهم و أمر بحبسه فحبس شهرا، ثم سيره و بنى عمرو بن سعيد و أهليهم إلى العراق فدخلوا على مصعب بن الزبير فأكرمهم