البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١١ - و هذه ترجمة الأشدق
و موسى و غيرهم، و استنابه معاوية على المدينة، و كذلك يزيد بن معاوية بعد أبيه كما تقدم، و كان من سادات المسلمين، و من الكرماء المشهورين، يعطى الكثير، و يتحمل العظائم، و كان وصى أبيه من بين بنيه، و كان أبوه كما قدمنا من المشاهير الكرماء، و السادة النجباء، قال عمرو: ما شتمت رجلا منذ كنت رجلا، و لا كلفت من قصدني أن يسألنى، لهو أمن على منى عليه، و قال سعيد بن المسيب:
خطباء الناس في الجاهلية الأسود بن عبد المطلب، و سهيل بن عمرو، و خطباء الناس في الإسلام معاوية و ابنه، و سعيد بن العاص و ابنه، و عبد اللَّه بن الزبير.
و قد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد ثنا حماد ثنا على بن زيد أخبرنى من سمع أبا هريرة يقول:
سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول. «ليرفعن على منبري جبار من جبابرة بنى أمية حتى يسيل رعافه»
قال: فأخبرني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص رعف على منبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى سال رعافه.
و هو الّذي كان يبعث البعوث إلى مكة بعد وقعة الحرة أيام يزيد بن معاوية لقتال ابن الزبير، فنهاه أبو شريح الخزاعي و ذكر له الحديث الّذي سمعه من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في تحريم مكة، فقال: نحن أعلم بذلك منك يا شريح، إن الحرام لا يعيذ عاصيا و لا فارا بدم، و لا فارا بجزية، الحديث كما تقدم و هو في الصحيحين. ثم إن مروان دخل إلى مصر بعد ما دعا إلى نفسه و استقر له الشام، و دخل معه عمرو بن سعيد ففتح مصر، و قد كان وعد عمرا أن يكون ولى العهد من بعد عبد الملك، و أن يكون قبل ذلك نائبا بدمشق، فلما قويت شوكة مروان رجع عن ذلك، و جعل الأمر من بعد ذلك لولده عبد العزيز، و خلع عمرا. فما زال ذلك في نفسه حتى كان من أمره ما تقدم، فدخل عمرو دمشق و تحصن بها و أجابه أهلها، فحاصره عبد الملك ثم استنزله على أمان صورى، ثم قتله كما قدمنا.
و كان ذلك في هذه السنة على المشهور عند الأكثرين، و قال الواقدي و أبو سعيد بن يونس سنة سبعين فاللَّه أعلم. و من الغريب ما ذكره هشام بن محمد الكلبي بسند له أن رجلا سمع في المنام قائلا يقول على سور دمشق قبل أن يخرج عمرو بالكلية، و قبل قتله بمدة هذه الأبيات:
ألا يا قوم للسفاهة و الوهن* * * و للفاجر الموهون و الرأى الأفن
و لابن سعيد بينما هو قائم* * * على قدميه خر للوجه و البطن
رأى الحصن منجاة من الموت فالتجا* * * إليه فزارته المنية في الحصن
قال: فأتى الرجل عبد الملك فأخبره فقال: ويحك سمعها منك أحد؟ قال: لا! قال: فضعها تحت قدميك، قال: ثم بعد ذلك خلع عمرو الطاعة و قتله عبد الملك بن مروان، و قد قيل إن عبد الملك لما حاصره راسله و قال: أنشدك اللَّه و الرحم أن تدع أمر بيتك و ما هم عليه من اجتماع الكلمة فان فيما صنعت قوة لابن الزبير علينا، فارجع إلى بيعتك و لك على عهد اللَّه و ميثاقه،