البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٦ - قصة يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري مع ابني زياد عبيد اللَّه و عباد
ابنته بحرية عند عبيد اللَّه، فأجاره و آواه إلى داره، و جاء الجارود مسلما على عبيد اللَّه، و بعث عبيد اللَّه الشرط إلى دار المنذر فجاءوا بابن مفرع فأوقف بين يديه، فقال المنذر: إني قد أجرته، فقال: يمدحك و يمدح أباك فترضى عنه، و يهجونى و يهجو أبى ثم تجيره على، ثم أمر عبيد اللَّه بابن مفرغ فسقى دواء مسهلا و حملوه على حمار عليه إكاف و جعلوا يطوفون به في الأسواق و هو يسلح و الناس ينظرون إليه، ثم أمر به فنفى إلى سجستان إلى عند أخيه عباد، فقال ابن مفرغ لعبيد اللَّه بن زياد:-
يغسل الماء ما صنعت و قولي* * * راسخ منك في العظام البوالي
فلما أمر عبيد اللَّه بنفي ابن مفرغ إلى سجستان، كلم اليمانيون معاوية في أمر ابن مفرغ، و أنه إنما بعثه إلى أخيه ليقتله، فبعث معاوية إلى ابن مفرغ و أحضره، فلما وقف بين يديه بكى و شكى إلى معاوية ما فعل به ابن زياد، فقال له معاوية: إنك هجوته، أ لست القائل كذا؟ أ لست القائل كذا؟
فأنكر أن يكون قال من ذلك شيئا، و ذكر أن القائل ذلك هو عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، و أحب أن يسندها إلى، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم و منعه العطاء حتى يرضى عنه عبيد اللَّه بن زياد، و أنشد ابن مفرع ما قاله في الطريق في معاوية يخاطب راحلته:
عدس ما لعباد عليك إمارة* * * نجوت و هذا تحملين طليق
لعمري لقد نجاك من هوة الردى* * * إمام و حبل للأنام وثيق
سأشكر ما أوليت من حسن نعمة* * * و مثلي بشكر المنعمين حقيق
فقال له معاوية: أما لو كنا نحن الذين هجوتنا لم يكن من أذانا شيء يصل إليك، و لم نتعرض لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إنه ارتكب فىّ ما لم يرتكب مسلم من مسلم على غير حدث و لا جرم، قال: أ لست القائل كذا؟ أ لست القائل كذا؟ فقد عفونا عن جرمك، أما إنك لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شيء فانظر الآن من تخاطب و من تشاكل، فليس كل أحد يحتمل الهجاء، و لا تعامل أحدا إلا بالحسنى، و انظر لنفسك أي البلاد أحب إليك تقيم بها حتى نبعثك إليها، فاختار الموصل فأرسله إليها، ثم استأذن عبيد اللَّه في القدوم إلى البصرة و المقام بها فأذن له. ثم إن عبد الرحمن ركب إلى عبيد اللَّه فاسترضاه فرضى عنه و أنشده عبد الرحمن:-
لأنت زيادة في آل حرب* * * أحب إلى من إحدى بنانى
أراك أخا و عما و ابن عمّ* * * فلا أدرى بغيب ما تراني
فقال له عبيد اللَّه: أراك و اللَّه شاعر سوء، ثم رضى عنه و أعاد إليه ما كان منعه من العطاء.
قال أبو معشر و الواقدي: و حج بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبى سفيان، و كان نائب المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، و على الكوفة النعمان بن بشير، و قاضيها شريح، و على البصرة