البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٣ - ثم دخلت سنة ثلاث و ستين
قال البخاري في صحيحه: حدثنا الحسين بن الحارث ثنا الفضل بن موسى ثنا الجعد عن عائشة بنت سعد بن أبى وقاص عن أبيها. قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء».
و قد رواه مسلم من حديث أبى عبد اللَّه القراظ المديني- و اسمه دينار- عن سعد بن أبى وقاص أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «لا يريد أحد المدينة بسوء إلا إذا به اللَّه في النار ذوب الرصاص- أو ذوب الملح في الماء».
و في رواية المسلم من طريق أبى عبد اللَّه القراظ عن سعد و أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «من أراد أهل المدينة بسوء أذابه اللَّه كما يذوب الملح في الماء»
و قال الامام أحمد: حدثنا أنس بن عياض ثنا يزيد بن خصيفة عن عطاء بن يسار عن السائب ابن خلاد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه اللَّه و عليه لعنة اللَّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللَّه منه يوم القيامة صرفاً و لا عدلا». و رواه النسائي من غير وجه عن على ابن حجر عن إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن ابن أبى صعصعة عن عطاء بن يسار عن خلاد بن منجوف بن الخزرج أخبره فذكره. و كذلك رواه الحميدي عن عبد العزيز بن أبى حازم عن يزيد بن خصيفة. و رواه النسائي أيضا عن يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد عن يحيى بن سعيد عن مسلم بن أبى مريم عن عطاء بن يسار عن ابن خلاد-
و كان من أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- فذكره.
و قال ابن وهب: أخبرنى حيوة بن شريح عن ابن الهاد عن أبى بكر عن عطاء بن يسار عن السائب بن خلاد، قال سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «من أخاف أهل المدينة أخافه اللَّه، و عليه لعنة اللَّه و الملائكة و الناس أجمعين».
و قال الدار قطنى: ثنا على بن أحمد بن القاسم ثنا أبى ثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر ثنا أبو زكريا يحيى بن عبد اللَّه بن يزيد بن عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري عن محمد و عبد الرحمن ابني جابر عبد اللَّه قالا: خرجنا مع أبينا يوم الحرة و قد كف بصره فقال: تعس من أخاف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).
ابن فقلنا: يا أبة و هل أحد يخيف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فقال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «من أخاف أهل هذا الحي من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين- و وضع يده على جبينه-»
قال الدارقطنيّ:
تفرد به سعد بن عبد العزيز لفظا و إسنادا، و قد استدل بهذا الحديث و أمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية و هو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال و أبو بكر عبد العزيز و القاضي أبو يعلى و ابنه القاضي أبو الحسين و انتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد، و جوز لعنته.
و منع من ذلك آخرون و صنفوا فيه أيضا لئلا يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد من الصحابة، و حملوا ما صدر عنه من سوء التصرفات على أنه تأول و أخطأ، و قالوا: إنه كان مع ذلك إماما فاسقا، و الامام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل و لا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من