منهاج السنة المحمدية في الرد على منهاج ابن تيمية - العقيلي، عبدالرحمن - الصفحة ٣٦ - المقدمة
فكاهة، قال قيس: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويبتسم إلى أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء، وتعيبه بذلك! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسّه الطوى، تلك هيبة التقوى، وليس كما يهابك طغام أهل الشام!. وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيه وأوليائه إلى الآن، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك[٤٩].
وأما الزهد في الدنيا: فهو سيّد الزهّاد، وبدل الأبدال، وإليه تُشد الرحال، وعنده تنفض الأحلاس، ما شبع من طعام قط. وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا، قال عبد الله بن أبي رافع: دخلت إليه يوم عيد، فقدم جرابا مختوما، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا، فقدم فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين، فكيف تختمه؟ قال: خفت هذين الولدين أن يلتّاه[٥٠] بسمن أو زيت. وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة، وليف أخرى، ونعلاه من ليف. وكان يلبس الكرباس الغليظ، فإذا وجد كمّه طويلا قطعه بشفرة، ولم يخطه، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل، ولا يأكل اللحم إلا قليلا، ويقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان. وكان مع ذلك أشدّ الناس قوة وأعظمهم أيدا، لا ينقض الجوع قوته، ولا يخون الإقلال منته. وهو
[٤٩] رحم الله ابن أبي الحديد, كأنّه ينظر الى جمال الأخلاق وهيبة التقوى عند علماء الشيعة ووعورة الأخلاق والخشونة والجفاء عند الوهابيّة عندما قال قوله هذا!
[٥٠] اللتّ: الدقّ، والشدّ، والإيثاق، والفتّ، والسحق / القاموس المحيط، الفيروز آبادي: ج١، ص١٥٦.