منهاج السنة المحمدية في الرد على منهاج ابن تيمية - العقيلي، عبدالرحمن - الصفحة ١٧٠ - الأولياء وأولوا الأمر
ولم يدعِ العصمة لأولي الأمر وهم الأئمة غير الشيعة الاثني عشرية أيدهم الله ونصرهم. وأما كون أولي الأمر هم الحكّام الزمنيون الذين يصلون للحكم بطرق عديدة منها تزوير الانتخابات ورشوة رجال الدين والانقلابات العسكرية وما شابه فكلام مضحك، وإنما لم يجدوا حلاّ لهذا الإشكال فقالوا كلامهم، وليت شعري ما المصالح الدينية والدنيوية من وجود حكام ينخر حكوماتهم الفساد المالي والانحلال الخلقي، والقسوة والطغيان على الشعب المسكين، الذي ذنبه الوحيد أن رجال دينه يحوطهم الحاكم الطاغي بعطفه فيفتون له ويسبحون بحمده!.
ولو كان الغرض من وجود الإمام هو مصالح الدين والدنيا للدولة والشعب فنظرة سريعة على الحكّام المسلمين منذ شهادة النبي صلى الله عليه وآله والى الآن فستجد أن الحكم عبارة عن فرصة ذهبيّة لاكتناز الذهب والفضّة، والقصور الفارهة، والبساتين والجنان المونقة، وفي كل قصر آلاف الجواري، وفي كل قصر إباحيّة جنسية من نوع غريب تكشف عن الانحراف النفسي عند هؤلاء الطغاة، هذا الانحراف الذي جعل بلاد الإسلام «بستان قريش» على ما عبّر أحد ولاة عثمان، فبينما يتلوّى الفقراء والمعدمون في بلاد المسلمين من الجوع يترفّه البعض بأموال بيت المال فترى اليوم العوائل الحاكمة وهي تملك القصور المحلّاة بالذهب والفضّة والتي تضم مسابح تطلى أرضيّتها بالذهب، وأرصدة هؤلاء الولاة المسروقة من أفواه الفقراء تذهب لتتكدّس في مصارف الغرب فتدخل في استثمار دور اللهو والدعارة والقمار ومصانع الخمور ولا من آمر ٍ بالمعروف ولا ناهٍ عن المنكر! لكون أفواه رجال الدين قد ارتشفت الرشى، وعاد آخرهم يفتي كما أفتى أوّلهم[٢١٥] بأن المال لولي الامر وهو يصرفه بما يراه من مصلحة!.
[٢١٥] قال ابن أبي الحديد «قال معاوية يوما: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال له أبو ذر: يا بن اليهوديين، أتعلمنا ديننا! فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي، الحق بالشام. فأخرجه إليها، فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذر: إن كانت هذه من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها، وردها عليه. وبنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذر: يا معاوية، إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة وإن كانت من مالك فهو الاسراف. وكان أبو ذر رحمه الله تعالى يقول: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه، والله إني لأرى حقا يطفأ وباطلا يحيا، وصادقا مكذبا، وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه، فقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام، فتدارك أهله إن كانت لكم حاجة فيه. فكتب معاوية إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: أما بعد، فاحمل جندبا إلى علي أغلظ مركب وأوعره، فوجه به مع من سار به الليل والنهار، وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب، حتى قدم به المدينة، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد، فلما قدم أبو ذر المدينة، بعث إليه عثمان أن الحق بأي أرض شئت، فقال: بمكة؟ قال: لا، قال: فبيت المقدس؟ قال: لا، قال: فأحد المصرين؟ قال: لا، ولكني مسيرك إلى الربذة، فسيره إليها، فلم يزل بها حتى مات». شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ٣ - ص ٥٤ – ٥٥/ وهذا مصير المصلحين أما الحياة بشرف وإما الموت بشرف.