سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ٤٣ - قصّة أبي جعفر عليه السّلام و أهل مدين
سكت القوم نهض قائما ثمّ قال:أيّها الناس أين تذهبون و أين يراد بكم؟بنا هدى اللّه أوّلكم و بنا يختم آخركم فإن يكن لكم ملك معجّل فانّ لنا ملكا مؤجّلا و ليس بعد ملكنا ملك فانّا أهل العاقبة،يقول اللّه(عزّ و جلّ): «وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» [١]، فأمر به الى الحبس،فلمّا صار في الحبس تكلّم فلم يبق في الحبس رجل الاّ ترشّفه [٢]و حنّ عليه فجاء صاحب الحبس الى هشام و أخبره بخبره فأمر به فحمل على البريد هو و أصحابه ليردّوا الى المدينة و أمر أن لا تخرج لهم الأسواق و حال بينهم و بين الطعام و الشراب،فساروا ثلاثا لا يجدون طعاما و لا شرابا حتّى انتهوا الى مدين فأغلق باب المدينة دونهم فشكى أصحابه العطش و الجوع،قال:فصعد جبلا أشرف عليهم فقال بأعلى صوته:يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقيّة اللّه يقول اللّه: «بَقِيَّتُ اللّٰهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ مٰا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ» [٣]،قال:و كان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال:يا قوم هذه و اللّه دعوة شعيب عليه السّلام،و اللّه لئن لم تخرجوا الى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذنّ من فوقكم و من تحت أرجلكم فصدّقوني هذه المرّة و أطيعوني و كذّبوني فيما تستأنفون فانّي ناصح لكم،قال:فبادروا و أخرجوا الى أبي جعفر عليه السّلام و أصحابه الأسواق [٤].
١٠٣٥٦ و في رواية أخرى مفصّلة: صعد عليه السّلام الجبل المطلّ على مدينة مدين و أهل مدين ينظرون إليه ما يصنع،فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة ثمّ وضع اصبعيه في أذنيه ثمّ نادى بأعلى صوته «وَ إِلىٰ مَدْيَنَ أَخٰاهُمْ شُعَيْباً» الى قوله: «بَقِيَّتُ اللّٰهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» [٥]ثم قال:نحن و اللّه بقيّة اللّه في أرضه،فأمر اللّه ريحا
[١] سورة القصص/الآية ٨٣.
[٢] الترشف:المصّ و التقبيل مع اجتماع الماء في الفم و هو كناية عن مبالغتهم في أخذ العلم عنه عليه السّلام،أو عن غاية الحب،و لعله تصحيف ترسفه بالسين المهملة:يعني مشى إليه مشي المقيّد يتحامل رجله مع القيد.(منه).
[٣] سورة هود/الآية ٨٦.
[٤] ق:٧٥/١٦/١١،ج:٢٦٤/٤٦.
[٥] سورة هود/الآية ٨٤-٨٦.