سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ٢٨٢ - النّعم المربوطة باللقمة الواحدة
في انّ نعم اللّه لا تحصى
ذكر ما يتعلق بقوله تعالى: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا» [١]،قال الرازيّ:
اعلم انّ الإنسان إذا أراد أن يعرف انّ الوقوف على أقسام نعم اللّه تعالى ممتنع فعليه أن يتأمّل في شيء واحد ليعرف عجز نفسه و نحن نذكر منه مثالين:
المثال الأوّل:انّ الاطبّاء ذكروا انّ الأعصاب قسمين...الخ.
النّعم المربوطة باللقمة الواحدة
المثال الثاني:انّه إذا اخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر الى ما قبلها و ما بعدها،أمّا الأمور التي قبلها انّ تلك اللقمة من الخبز لا تتمّ و لا تكمل الاّ إذا كان هذا العالم بكليّته قائما على الوجه الأصوب،لأنّ الحنطة لا بدّ منها و انّها لا تنبت الاّ بمعونة الفصول الأربعة و تركيب الطبايع و ظهور الأرياح و الأمطار و لا يحصل شيء منها الاّ بعد دوران الأفلاك و اتّصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات و في كيفيّتها في الجهة و في السرعة و البطؤ ثمّ بعد تكوّن الحنطة لابدّ من آلات الطحن و الخبز و هي لا تحصل الاّ عند تولّد الحديد في أرحام الجبال ثمّ انّ الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها الاّ بآلات أخرى حديدية سابقة عليها و لابدّ من انتهائها الى آلة حديديّة هي أوّل هذه الآلات،ثمّ إذا حصلت تلك الآلات فانظر انّه لابدّ من اجتماع العناصر الأربعة حتّى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق،و أمّا النظر فيما بعد حدوثها فتأمّل في تركيب بدن الحيوان و هو انّه تعالى كيف خلق هذه الأبدان حتّى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة و لا يمكنك أن تعرف ذلك الاّ بمعرفة علم التشريح و الطبّ،فظهر بالبراهين الباهرة صحّة قوله تعالى: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ»
[١] سورة إبراهيم/الآية ٣٤.