شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤٢٦ - «الشرح»
..........
أكثر ما يأتي في الحديث بهذا المعنى، و الفقيه هو صاحب هذه البصيرة و ما قال ورّام الحلّي (رحمه اللّه) و الغزّالي من أنّ اسم الفقه في العصر الأوّل إنّما كان يطلق على علم الآخرة و معرفة دقائق آفات النفوس و مفسدات الأعمال و قوّة الإحاطة بحقارة الدّنيا و شدّة التطلّع إلى نعيم الآخرة و استيلاء الخوف على القلب إشارة إلى هذه البصيرة، ثمّ هذه البصيرة إنّما تتمّ و تتكامل بعلوم ثلاثة الأوّل العلم بأحوال الدّنيا و انصرامها و عدم بقائها و ثباتها، الثاني العلوم بأحوال الآخرة من عذابها و ثوابها و حورها و قصورها و عجز بني آدم بين يدي اللّه تعالى إلى غير ذلك من أحوالها و أهوالها.
الثالث العلم بالسنّة النبويّة لقصور عقل البشر عن إدراك نظام الدّنيا و الدّين بنفسه من غير توسّط رسول قوله قول اللّه تعالى المنزل إليه بالوحي، فهذان العلمان من توابع العلم باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و ثمرة العلم الأوّل و فائدته هي الزّهد في الدّنيا و الإعراض عن نعيمها و عدم الاغترار بزخارفها و التنزّه عن حلالها [١]
[١] اعلم أن كثيرا من القوى و الآلات التى ركب اللّه تعالى في وجود الانسان انما هى مما يحتاج إليها في الحياة الدنيوية و لم يعط مثلها الملائكة المقربون و المدبرات أمرا و لذلك ليس التمتع بنعم الدنيا جميعها مما يخالف إرادة اللّه تعالى فبعضها حلال قطعا و المقدار الّذي توقف عليه حفظ البنية التى خلق اللّه تعالى الانسان عليها واجب و التنزه عنه مضادة لارادة اللّه و حكمه و اما التنزه المرغوب فيه فهو عن الزائد عن ذلك الّذي يقصد منه التلذذ و هو مانع عن امور اخر خلق لها الانسان أيضا من التوجه الى اللّه و التمتع بالنعم العقلية و معرفة ما لا يتوقف المعاش الدنيوى عليه فان وجود هذه الرغبات في الانسان دليل على عدم قصر فائدة وجوده و غاية تكونه على عمارة الدنيا و الاستمتاع بنعيمها و اهل الخلوة و المناجاة مع اللّه و تهذيب النفس و التفكر يتلذذون بعملهم أكثر مما يتلذذ به أهل اللهو فكما أن وجود شهوة الاكل و امثالها لغرض و غاية فكذلك وجود الرغبة الى اللّه تعالى و اوليائه لغرض و غاية و التهالك على التلذذ بالنعم الدنيوية التى لا يحتاج إليها في بقاء البنية يمنع من التوجه الى اللّه تعالى و التلذذ بالنعيم العقلى «و مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ». (ش)