شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٥ - «الشرح»
..........
فلا قدر للجاهل لأنّه رذل خسيس دنيّ و إن كان ذا مال و نسب معروف لقول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) «ما استرذل اللّه عبدا إلّا حظر عليه العلم و الأدب [١]» و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «إذا أرذل اللّه عبدا حظر عليه العلم [٢]» يقال: أرذل اللّه عبدا و استرذله أي جعله رذلا و هو الخسيس الدّنيّ و لتشبيهه تعالى له تارة بالأنعام فقال: «إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» و تارة بالكلب فقال: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ- الآية» و بالجملة رذالة الجاهل و عدم اعتباره و سفالة حاله مما دلّ عليه كثير من الآيات الكريمة و الروايات الصحيحة و سرّ ذلك أنّ المقصود من خلق الانسان ليس ذاته [٣] من حيث هو بل العلم بالأسرار الالهيّة و الأحكام الرّبانيّة و تنوير القلب بالاشراقات اللّاهوتيّة و المكاشفات الملكوتية ثمّ سلوك طريق العمل بنور الهداية و الاجتناب
[١] أخرجه ابن النجار من حديث ابى هريرة بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
[٢] النهج قسم الحكم و المواعظ تحت رقم ٢٨٨.
[٣] فان قيل من اين عرف أن المقصود من خلق الانسان ما هو و كيف علم أنه العلم بالاسرار الالهية أو غيره؟ قلنا أولا ان من الموجودات السفلية ما خلق لاجل غيره كالنبات لغذاء الانسان مثلا و حينئذ ففائدته انتفاع الانسان به و لا ضير في أن يفنى و يبطل لاجل موجود أعلى و أشرف و لا يلزم من بطلانه و فساده العبث في فعل الحكيم و من الموجودات ما ليس شيء أعلى و اشرف منه حتى يكون وجوده لاجل ذلك كالانسان فانا لا نعلم في هذا العالم شيئا يكون الانسان لاجله فان العناصر و المواليد كلها دونه فلا يمكن ان يقال الانسان خلق لان يكشف أسرار النبات و الحيوان و خواص المعادن و اعماق البحار و أبعاد الكواكب فان ذلك يستلزم كون هذه الجمادات أشرف من الانسان حيث سخر الانسان لها على ما يذهب إليه الطبيعيون، و نقول ثانيا الغرض من ايجاد الانسان ان كان كشف أسرار الطبيعة للّه تعالى و العقول فانهم عارفون بها قبل الكشف و ان كان الغرض كشفها للطبيعة نفسها فمعلوم أنها غير شاعرة فبقى أن يكون الغرض كشف أسرارها للانسان نفسه أما بأن يكشفها السابقون للاحقين فننقل الكلام الى اللاحقين و الى نوع الانسان جميعا فان كان في علمهم بأسرار الكائنات فائدة لانفسهم كانوا هم الغرض و الغاية و بقى الكلام في غاية وجود الانسان و لا نتعقل الا العلم بالاسرار الالهية، و أما سائر صفاته و علومه و نعوته فهى لحفظه و بقائه فوجود الانسان بأن يكون غاية لها اولى بالعكس فالشهوة لبقاء الشخص أو النوع و الغضب كذلك و العلوم الطبيعية و الصنائع كذلك و لم يبق شيء الا معرفة اللّه تعالى و التقرب إليه لائقا بأن يكون غاية للانسان و مع ذلك فبعض آيات القرآن الكريم يدل عليه مثل قوله تعالى: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لٰا تُرْجَعُونَ يعنى لو لم يكن غاية وجود الانسان الرجوع الى اللّه كان خلقه عبثا اذ لا شيء أعلى منه حتى يكون غايته. (ش)