شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٣ - «الشرح»
..........
هذا أحد التأويلات لقوله (صلى اللّه عليه و آله) «أهل الخير لا يشقى جليسهم» و لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) «قارن أهل الخير تكن منهم» و ينبغي أن يعلم أنّ في مجالسة الذاكرين و مخالطة الصالحين منافع كثيرة غير هذه الثلاثة و لكن جلّها بل كلّها راجعة إلى هذه الثلاثة و لذلك اقتصر معدن الحكمة عليها
(و إذا رأيت قوما لا يذكرون اللّه)
(١) في إيراد «أنّ» في السابق و «إذا» هنا تنبيه على قلّة الذاكرين و عدم تحقّق وجودهم و كثرة الغافلين و اشتهارهم
(فلا تجلس معهم فإن تكن عالما لم ينفعك علمك)
(٢) لأنّ أعظم منافع العلم هو الذكر و الفكر و الاتّقاء من مواضع التهمة و الامتياز من الغافلين و التباعد من الجاهلين و لا ريب في أنّ هذه المنافع تنتفي بالمجالسة معهم، و إن شئت زيادة توضيح فنقول: يجب عليك بعد تحصيل السعادة الابديّة و اقتناء العلوم الحقيقيّة و المعارف اليقينيّة و اكتساب النواميس الإلهيّة ضبطها و طلب استمرارها و زيادتها و استبقاء صحّة النفس المتحلّية بها كما يجب على الأصحّاء حفظ صحّة أمزجتهم ممّا يوجب فسادها و تغيّرها و من جملة القوانين لحفظك صحّة النفس الفاضلة بالفضائل المذكورة أن تعاشر من هو مثلك في الفضل أو هو أفضل منك و تجتنب عن الجهلة المشعوفين بالغفلة و الجهالة و الغافلين عن الحضرة الرّبوبيّة خصوصا عمّن اشتهر بالشرّ و الفساد و استعلن الاستهزاء و الافتخار و افتخر باصابة القبائح و الشهوات و نيل الفواحش و اللّذات و نسج الأكاذيب و الحكايات و نقل الأشعار و المزخرفات فانّ في مشاهدة أمثال ذلك و استماعها، تأثيرا عظيما في انتكاس النفس و انعكاسها عن المبادي العالية فربّما يتعلّق لاستماع بعض هذه الامور بنفس الفاضل الكامل وسخ كثير و خبث عظيم بحيث لا يقدر على تطهيرها في مدّة مديدة فكيف الطالب المستعدّ و المتعلّم المسترشد فانه بقبول ذلك أقرب لميل النفس بالذات إلى ما يلائمها من اللّذات و لو لم يكن زمام العقل و قيد الحكمة مانعين من ذلك لكان جميع الخلائق مبتلين بهذه البليّة
(و إن كنت جاهلا يزيدوك جهلا)
(٣) لأنّ نفسك المستعدّة للشرّ تأخذ منهم الشرّ سراعا إذ عليها بواعث من الطبع فإذا انضافت إليها تسويلات هؤلاء الشياطين