شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٧٥ - «الشرح»
..........
و الوقار)
(١) هذه الامور الثلاثة من أعظم الاصول لتحصيل سعادة الدّارين و استقامة أحوال الكونين إذ بالأوّل يعرف الأحكام و الحلال و الحرام و أحوال المبدأ و المعاد، و أحوال السياسات البدنيّة و المنزليّة و المدنيّة، و بالأخيرين تزيّن النفس بزينة الاناءة و الرّزانة و تحلّى بحلية الصيانة و المتانة، و تجتنب عن تبعات الغضب من التضاغن [١] و السفه و الخفّة و غيرها و هذا أصل عظيم في جلب طيب عيش الدّارين و طلب نظام النشأتين
(و تواضعوا لمن تعلّمونه العلم)
(٢) ليكتسبوا منكم صفة التواضع أيضا لمن دونهم و يرغبوا في تحصيل العلم و لا يحتشموا عن السؤال عنكم، و بالجملة التواضع حسن لكلّ أحد سيّما للمتعلّمين الّذين هم أولياء اللّه و أحباؤه و من التواضع لهم لين القول و التكرار عليهم عند الاحتياج إليه و عدم الضجر و القلق لكثرة سؤالهم و ترك الشتم و الغلظة عليهم لو تكلّموا بما لا يوافق المقصود و هدايتهم إليه بلطائف التدبير و حسن التقرير
(و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم)
(٣) و ذلّلوا نفوسكم بالاحتمال عنه لأنّكم قد أقررتم بفضله فوجب عليكم أن تعزّروه و توقّروه و تعظّموه و تتأدّبوا بالخشوع و الخضوع و التواضع و الانقياد له، و لأنّه أب روحاني لكم و سبب لحياة أرواحكم و كمال نفوسكم و تنوّر عقولكم يخرجكم من حضيض الجهالة و الشقاوة إلى أوج الكرامة و السعادة و لا نعمة أعظم من ذلك فوجب عليكم أن لا تهملوا شيئا من دقايق التواضع له كما وجب عليكم ذلك لأبيكم الجسماني بل ينبغي أن يكون التواضع له أبلغ و أكمل لأنّ النسبة بينهما مثل النسبة بين الرّوح و البدن، و لذلك قال بعض الحكماء: حقّ المعلّم الرّبّاني و المربّي الرّوحاني على المتعلّم أعظم و أولى من حقّ أبيه الجسماني، و قال بعض الأكابر: العلماء أرحم بامّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله) من آبائهم و أمّهاتهم، قيل: فكيف ذلك؟ قال: لأنّ آبائهم و أمّهاتهم يحفظونهم من نار الدّنيا و العلماء يحفظونهم من نار الآخرة [٢] و قيل لاسكندر: ما بالك تحبّ معلّمك أكثر ما تحبّ أبيك؟
[١] اضطغن و تضاغن القوم: الطووا على الاحقاد و قابلوا الحقد بالحقد.
[٢] وجود النوع الانسانى من غير أن يكون فيهم علماء ربانيون يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يردعهم عن الشهوات و يمنعهم من الظلم و العدوان على أبناء نوعهم شر ليس بخير لان الانسان اذا خلى و طباعه و فيه الشهوات العظيمة و الامال الطويلة و القدرة على امور يعجز عنها ساير الحيوانات أضر من السباع الضارية لان الذئب و الاسد مثلا لهما شهوة محدودة و للانسان شهوة السباع مع شهوة جمع الاموال و الرئاسة و الجاه و المساكن و التجملات، و له أن يخترع آلات مخوفة في الحرب و السموم القتالة و له آمال في نفسه و اولاده و أهله في حياته و بعد وفاته و لا محيص لهذا النوع عمن يهديهم الى الحق و يمنعهم من الباطل و لو لم يكن فيهم ذلك كانوا كالانعام بل هم أضل و قد منع الشرع عن المقام في بلد ليس فيه عالم روحانى يؤخذ منه الدين. (ش)