الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٦٥ - المتن
و يرد عليه ثانيا: إن دعواه الإجماع على أن يحيى قتل قبل أبيه باطلة، لأنها من قبيل دعوى الإجماع على خلاف ما أنزل اللّه تعالى؛ قال سبحانه: «إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي». [١] فإنه يستلزم بمقتضى استجابة دعاء زكريا أن يكون يحيى قد بقى بعد أبيه، لأن الوراثة تستدعي بقاء الوارث بعد الموروث.
و ثالثا: إنه لا بد من حمل الآية على ميراث المال لا النبوة لأمور:
الأول: إن يحيى كان نبيا في حياة أبيه و هو صبي، فلا معنى لأن يكون وارثا للنبوة من أبيه، مع أن النبوة لا تحصل بالميراث إلا بالتجوّز، و هو خلاف الظاهر.
الثاني: إن الموالي كانوا شرار بني إسرائيل كما في الكشّاف و غيره، فلا يجوز أن يرثوا النبوة حتى يخافهم من ورائه و يدعو أن يهب اللّه له وارثا غيرهم. و لو فرض إمكان نبوتهم فلا وجه لخوفه من إرثهم للنبوة إلا البخل بنعمة اللّه على الغير و هو كما ترى، بل ينبغي سروره بذلك لخروجهم من الضلال إلى الهدى. و دعوى أنه ما خاف أن يرثوا النبوة بل خاف أن يضيّعوا الدين و يغيّروه فدعا ربه أن يهب له ولدا حافظا للدين مانعا لهم عن الفساد، ممنوعة لبعدها عن سوق الآيات و خصوصيات الكلام التي منها أنه طلب وليا و هو لا خصوصية له في تحصيل هذا الغرض، و طلب أن يكون رضيّا من دون قيد التمكّن من دفعهم عن الفساد.
الثالث: إنه لو كان المراد ولدا وارثا للنبوة لكان دعاؤه أن يجعله رضيا فضولا، إذ لا تكون النبوة إلا لرضي، و الحال أن ظاهره التقييد كما يشهد له ما حكاه السيوطي في الدرّ المنثور عن ابن أبي حاتم أنه أخرج عن محمد بن كعب، قال: قال داود: يا رب هب لي ابنا، فولد له ابن خرج عليه. فبعث له داود جيشا، إلى أن قال: رب إني سألت أن تهب لي ابنا فخرج عليّ!؟ قال: إنك لم تستثن. قال محمد بن كعب: لم يقل كما قال زكريا:
«وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا». [٢]
[١]. سورة مريم: الآية ٦.
[٢]. سورة مريم: الآيات ٣- ٦.