الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٣٠٢ - المتن
فنيطت دونها ملاءة، ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء و ارتجّ المجلس. ثم مهّلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم، افتتحت كلامها بالحمد للّه عز و جل و الثناء عليه و الصلاة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم قالت ما قالت، و فيما قالت:
أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا؛ أ فحكم الجاهلية يبغون، و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون؟ يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا. فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحكم اللّه و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و الوعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون.
ثم انكفأت إلى قبر أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت:
قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم و لا تغب
فليت بعدك كان الموت صادفنا * * * لمّا قضيت و حالت دونك الكثب
و هذا الذي تركها غضبا على من خالفها و تدعو عليه بعد كل صلاة حتى لفظت نفسها الأخيرة، كما سيوافيك تفصيله.
و هل هذا الحكم مطّرد بين الأنبياء جميعا أو أنه من خاصة نبينا (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و الأول ينقضه الكتاب العزيز بقوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» [١]، و قوله سبحانه عن زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». [٢]
و من المعلوم أن حقيقة الميراث انتقال ملك إلى ورثته بعد موته بحكم المولى سبحانه؛ فحمل الآية الكريمة على العلم و النبوة- كما فعله القوم- خلاف الظاهر، لأن النبوة و العلم لا يورثان، و النبوة تابعة للمصلحة العامة، مقدّرة لأهلها من أول يومها عند بارئها، و «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» [٣] و لا مدخل للنسب فيها، كما لا أثر للدعاء
[١]. سورة النمل: الآية ١٦.
[٢]. سورة مريم: الآيتين ٥، ٦.
[٣]. سورة الأنعام: الآية ١٢٤.