المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ٥٤ - باب الألف
يحدد معنى الإدراك، فيطلقه على الإحساس وحده، و حينئذ يكون أخص من العلم، و قسما منه، كما انّ بعضهم يوسع معناه، فيطلقه على حضور صورة المشعور به في الشاعر، أو يطلقه على الكمال الذي يحصل به مزيد كشف على ما يحصل في النفس من الشيء المعلوم من جهة التعقل بالبرهان. و هذا الكمال الزائد على ما حصل في النفس بكل واحدة من الحواس هو المسمّى إدراكا (كليات أبي البقاء).
و كما يتناول الإدراك الحس و الخيال و الوهم و العقل، فكذلك يتناول معرفة أعلى من المعرفة العقلية، و هي المعرفة الحاصلة من الكشف الباطني، فيقال إدراك الذوق و إدراك الحدس. قال الغزالي:
«و أما ما عدا ذلك من خواص النبوة انما يدرك بالذوق، من سلوك طريق التصوف» (المنقذ- ص ١٣٩)، و قال ايضا: «بل الإيمان بالنبوة أن يقر باثبات طور وراء العقل، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، و العقل معزول عنها، كعزل السمع عن إدراك الألوان، و البصر عن إدراك الأصوات، و جميع الحواس عن إدراك المعقولات».
و في اصطلاحات الصوفية، الإدراك البسيط هو إدراك الوجود الحق سبحانه مع الذهول عن هذا الإدراك، و عن أن المدرك هو الوجود الحق سبحانه، و الادراك المركب هو عبارة عن إدراك الوجود الحق سبحانه مع الشعور بهذا الإدراك، و بأن المدرك هو الوجود الحق سبحانه (كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي).
و الإدراك عند معظم الفلاسفة إما أن يكون إدراك الجزئي أو إدراك الكلي، و إدراك الجزئي قد يكون بحيث يتوقف على وجوده في الخارج، و هو الحس، أو لا يتوقف، و هو الخيال. و إدراك الجزئي على وجه كلي هو إدراك كليّه الذي ينحصر في ذلك الجزئي. أما إدراك الكلي، فهو ان الأشخاص الانسانية، مثلا متساوية في معنى الانسانية، و متباينة بأمور زائدة عليها، كالطول و القصر، و الشكل، و اللون. و مما به المشاركة غير ما به المخالفة، فالإنسانية من حيث هي هي تكون أمرا مغايرا لهذه الزوائد، فإدراكها، من حيث هي هي، هو المسمّى بالإدراك الكلي (لباب الإشارات للرازي ص ٧٤).