المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ٥٥ - باب الألف
٢- أما في الفلسفة الحديثة فان الإدراك يدل أولا على شعور الشخص بالإحساس أو بجملة من الاحساسات التي تنقلها اليه حواسه، أو هو شعور الشخص بالمؤثر الخارجي و الرد على هذا المؤثر بصورة موافقة.
و هذا المعنى العام يدل على ان الادراك يختلف عن الاحساس.
فالظاهرة النفسية التي تحصل في ذات المدرك، عند تأثر أعضاء الحس، تشتمل على وجهين أحدهما انفعالي)Affective( و الآخر عقلي)Intellectuelle( ، فاذا تناول الشعور هذه الظاهرة من ناحيتها الانفعالية سميت إحساسا، و إذا تناولها من ناحيتها العقلية سميت إدراكا.
فليس الإدراك و الاحساس إذن ظاهرتين مختلفتين و إنما هما وجهان مختلفان لظاهرة واحدة. و لكن بعض الفلاسفة يطلق لفظ الإحساس على هذه الظاهرة بوجهيها، فيكون الإحساس حالة انفعالية و عقلية معا، و يكون الادراك عبارة عن الاحساس مع الحكم عليه بأنه ناشئ عن مؤثر خارجي. فالادراك بهذا المعنى هو الادراك الخارجي)exterieure (Perception كما يقول (ريد)Reid والايكوسيون، أو هو الاحساس المصحوب بالانتباه كما يقول (مين دوبيران)Maine de Biran . و الواقع أن الاحساس و الادراك كليهما مصطبغان بلون انفعالي و عقلي معا، و لكن الادراك يزيد على الاحساس بأن آلة الحس تكون فيه أشد فعلا، و النفس أكثر انتباها، فيكون الشيء الخارجي أبين، و الصورة المرتسمة في النفس أوضح و أميز. و على كل حال فالادراك يقتضي الاحساس، فإما أن يطلق على الشعور بالاحساس و يكون عند ذلك حالة عقلية، و يكون الاحساس حالة انفعالية.
و إما أن يكون الاحساس دالّا على الشعور بالتغير الذي أحدثه المؤثر في النفس، فيكون الادراك عبارة عن الاحساس، بأنه مع الحكم على ذلك الاحساس بأنه ناشئ عن سبب خارجي، أو يكون عبارة عن الاحساس المصحوب بجهد الانتباه.
و كما يختلف الادراك عن الاحساس فكذلك يختلف عن العاطفة، لأن الادراك كما يقولون حالة عقلية، و العاطفة حالة وجدانية انفعالية، و هذا الفرق بين الادراك و العاطفة تناوله (ليبنيز) في مذهبه على وجه