المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ٢٣٠ - باب التاء
التاريخ يبحثون عن القوانين العامة لتطور الأمم، فمنهم من يرجع التطور التاريخي الى تأثير الدين، و منهم من يرجعه الى تأثير الرجال العظام، و منهم من يرجعه الى تأثير العوامل الاقتصادية. و أحسن مثال يدل على هذه القوانين العامة قول (ابن خلدون):
ان الأحوال في الأمم تتبدل بتبدل الأيام، و ان التطور التاريخي تابع لقانون الأجيال الثلاثة، و هي البداوة و الحضارة و الاضمحلال. و قول (فيكو): ان للتطور التاريخي ثلاثة أدوار: الدور الإلهي، و الدور البطولي، و الدور البشري.
و خطأ هذه الدراسات كلها أنها حاولت الكشف عن قوانين تطور البشرية دفعة واحدة، و بحثت عن القانون الكلي قبل أن تستقرئ جزئياته، فجاءت أحكامها عامة و مجردة. لقد حاول (لسنغ) و (هردر) و (هجل) أن يضعوا للبشرية تاريخا عاما يحيط بأحوال الأمم و حضاراتها، و يحدد علاقتها بتطور العقل البشري، فاستسلموا في أبحاثهم للخيال، و عجزوا عن تعليل التطور الاجتماعي تعليلا علميا دقيقا. قد يكون لتطور البشرية قانون عام كقانون الأجيال الثلاثة الذي ذكره ابن خلدون، أو كقانون الأدوار الثلاثة الذي ذكره (فيكو)، أو كقانون الحالات الثلاث الذي ذكره (أوغوست كومت)، و قد يكون تعاقب هذه الأدوار على شكل دائرة يتصل أولها بآخرها، أو على صورة خط مستقيم، و قد يكون لتطور البشرية قانون واحد أو عدة قوانين، إلا أن أمرا واحدا لا شك فيه، و هو ان استنباط هذه القوانين يجب أن يستند الى استقراء واسع، لا إلى تصور فلسفي سابق.
و تعتبر فلسفة التاريخ من الدراسات التي هيأت ظهور علم الاجتماع، حتى لقد قال بعضهم ان نسبة فلسفة التاريخ الى علم الاجتماع كنسبة علم ما بعد الطبيعة الى علم الطبيعة.