المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ٩ - المقدّمة
لا تتبدل الحقائق بتبدل الألفاظ التي أفرغت فيها. ان الألفاظ حصون المعاني، و تثبيت الاصطلاحات العلمية هو الحجر الأساسي في بناء العلم.
فاذا أقيم هذا البناء على أساس متحرك، لم يبلغ الغاية التي أنشىء من أجلها.
قد يقال إن الأساس في العلم هو الكشف عن الحقائق، و ان الحقيقة اذا كشفت، فبأي لغة بلغت الأفهام، فذلك هو البيان المطلوب. و لكن هذا القول يهمل ناحية أساسية من الاصطلاحات العلمية، و هي أن السبب الذي من أجله احتيج الى وضعها لا يقتصر على الإفهام وحده، لأن العالم بالشيء يفهمه، مهما تكن اللغة التي تستعملها في تفهيمه إياه، ركيكة و مضطربة. و لكن تثبيت الاصطلاحات العلمية لا يفيد العلماء وحدهم، بل يفيد المعلمين و المتعلمين كما يفيد جمهور القراء. فله إذن فائدة تربوية، و فائدة اجتماعية معا.
أما الفائدة التربوية، فهي أن تثبيت الاصطلاحات يستلزم تحديد معاني الألفاظ و توضيحها، فلا يستعمل اللفظ إلا فيما وضع له، و لا يدلّ على المعنى الواحد إلّا بلفظ واحد. و في ذلك تيسير لعمل المعلمين و المتعلمين معا. لأن المعاني إذا كانت محددة، سهل على المعلم شرحها و على المتعلم فهمها. و كذلك الألفاظ، إذا كانت مطابقة للمعاني، صار استعمالها أدق، و وضوحها أتم. و قد عرفنا بالتجربة أن التلاميذ الذين يقرأون النصوص الفلسفية من دون أن تشرح لهم ألفاظها يضيعون زمانا طويلا في تفهم ما يقرأون دون بلوغ الغاية المرجوة. و كثيرا ما يورثهم هذا الأمر كرها للفلسفة، و عجزا عن التقدم فيها، حتى ان بعضهم يعتاد استعمال الألفاظ الفارغة، فيردد ما يقرؤه كالبيغاء، أو يلوكه كما يلوك الطفل طعامه، و هذه العقول البيغائية، التي تردد الألفاظ الفارغة، تعجز في مستقبل حياتها الفكرية عن الإنتاج العلمي. و ربما كانت