المعجم الفلسفي - جميل صليبا - الصفحة ١٠ - المقدّمة
تمارين الترجمة، التي تقتضي مراجعة معاني الألفاظ في المعاجم العلمية و الفلسفية، خير وسيلة لشفاء هذه العقول من الببغائية الفكرية، لأنها تمنعها من استعمال ألفاظ لم تتضح معانيها، و تعوّدها الدقة في التعبير، و المطابقة بين المعنى و اللفظ، فلا يكون أحدهما زائدا على الآخر.
و أما الفائدة الاجتماعية، فهي أن تحديد معاني الألفاظ يسهل على الناس التفاهم فيما بينهم، فلا يتكلمون بما لا يعلمون، و لا يمارون فيما لم يتضح لهم من المعاني. إن معظم الاختلافات في الآراء السياسية، و الاجتماعية، يرجع الى أن الناس لم يحددوا معاني الألفاظ التي يجادلون فيها. فالحرية، و العدل، و المساواة لا تدل على معان واحدة عند الاشتراكيين و الممولين، و كذلك الحق، و الواجب، و الخير، و الكرامة، و غيرها. فاذا أردت أن تحسم الخلاف بين الناس، و تحقق التفاهم بين أصحاب المذاهب المتشابهة، فابدأ أولا بتحديد هذه المعاني تحديدا علميا واضحا. ان هذا التحديد يقرب الآراء بعضها من بعض، و يوفر على الناس كثيرا من الجهد و الوقت.
و ربما كانت الألفاظ التي يستعملها المترجمون المحدثون أكثر الألفاظ احتياجا الى هذا التحديد، لأنهم، كما قلنا، لا يطلقون على المعنى الواحد لفظا واحدا. مثال ذلك أن بعضهم يترجم كلمة)Intuition( بكلمة حدس و بعضهم يترجمها بالبداهة، أو الاكتناه، أو الاستبصار، و كذلك كلمة)Conscience( فان بعضهم يترجمها بالشعور، و بعضهم يترجمها بالوعي، فاذا استمر الأمر على هذه الحال أدى الى كثير من الفوضى، و الاضطراب، لأن النقلة، إذا لم يوحدوا اصطلاحاتهم، عجزوا هم أنفسهم عن فهم ما ترجموه. و لا يكفي أن تتطور الاصطلاحات العلمية تطورا عفويا حتى تصل الى الوحدة، لأن التطور العفوي قد يؤدي الى الاحتفاظ ألفاظ كثيرة للدلالة على المعنى الواحد، و اذا أدى انتصا