المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٤٤ - ثم دخلت سنة احدى و سبعين و مائتين
أنه قد عزل عمرو بن الليث عما كان قلده و لعنه بحضرتهم، و أعلمه أنه قد قلد خراسان محمد بن طاهر، و أمر بلعن عمرو على المنابر فلعن.
و في هذه السنة: وثب يوسف بن أبي الساج و كان والي مكة على غلام الطائي يقال له: بدر، خرج على الحاج فقيده، فحارب ابن أبي الساج أصحاب بدر، و أعانهم الحاج حتى استنقذوا غلام الطائي، و أسروا ابن أبي الساج فقيدوه، و حمل إلى بغداد، و كانت الحرب بينهم على أبواب المسجد الحرام.
أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه قال: حدّثني أبو السري عمر بن محمد القاري [قال] حدّثني أبو بكر الآدمي قال: لما أدخل مؤنس أبا القاسم بن أبي الساج أسيرا خرجت إلى تلقيته على فراسخ، و دخلت بغداد معه، فقال لي لما قربنا: إذا كان غدا فإنّي سأركب ابن أبي الساج و أشهره فاركب بين يديه، و اقرأ، فقلت: السمع و الطاعة.
فلما كان من الغد شهر ابن أبي الساج ببرنس، فبدأت فقرأت وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِيَ ظالِمَةٌ [إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] [١] و اتبعتها بكل ما في القرآن من هذا الجنس/ قال: و حانت مني [٢] التفاتة، فرأيت ابن أبي الساج يبكي. و مضى ذلك اليوم، فلما كان بعد أيام [٣] رضي عنه السلطان بشفاعة مؤنس، فأطلقه إلى داره، فأنا [كنت] [٤] يوما بحضرة مؤنس أقرأ، إذ استدعاني و قال لي: قد طلبك اليوم ابن أبي الساج، فامض إليه. فقلت له: أيها الأستاذ اللَّه اللَّه فيّ لعله وجد في نفسه من قراءتي ذلك اليوم.
فضحك و قال: امض إليه. فمضيت إليه، فرفعني و أجلسني و قال: أحب أن تقرأ تلك الآيات التي قرأتها بين يدي يوم كذا. فقلت: أيها الأمير، تلك حالة اقتضت ذلك، و ليس مثلك بآخذ مثلي عليها، و قد كشفها اللَّه الآن، و لكن أقرأ لك غيرها. قال: لا إلا تلك، فإنه تداخلني لها خشوع و خوف أحب أن أكسر بها نفسي، فردد سماعها علي
[١] سورة: هود، الآية: ١٠٢.
[٢] في ك: «منه».
[٣] في الأصل: «بعد دهر».
[٤] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.