المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣٢ - ١٧٥١- أحمد بن طولون
ثم قتل والي مصر في أيام المهتدي، فصار مستبدا بنفسه في أيام المعتمد، و ركب يوما إلى الصيد فلما طعن في البرية غاضت [١] يد دابة بعض أصحابه في وسط الرمل، فكشف المكان فرأى مطلبا واسعا، فأمر أن يعمل فيه، فوجد فيه من المال ما قيمته ألف ألف دينار، فأنفق معظم ذلك في البر و الصدقة و بناء الجامع [٢]، و قال له وكيله يوما: ربما امتدت/ إلى الكف المطوقة، و المعصم فيه السوار، و الكف [٣] الناعم، أ فأمنع هذه الطبقة [٤]؟ فقال له: ويحك، هؤلاء المستورون الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، احذر أن ترديدا امتدت إليك.
و حسن له بعض التجار التجارة، فدفع إليه خمسين ألف دينار، فرأى فيما يرى النائم كأنه يمشمش عظما، فدعى المعبر فقص عليه ما رأى، فقال: قد سمت عمة الأمير إلى مكسب لا يشبه خطره. فاستدعى صاحب صدقاته، و قال له: امض إلى التاجر، و خذ [منه] [٥] الخمسين ألف دينار، و تصدق بها.
و لما اشتد مرضه في علة الموت فخرج المسلمون بالمصاحف، و اليهود بالتوراة، و النصارى بالأناجيل، و المعلمون بالصبيان، و كثر الدعاء في الصحراء و المساجد، فلما أحسن بالموت رفع يده و قال: يا رب، ارحم من جهل مقدار نفسه و أبطره حكمك عنه [٦]. ثم تشهد و قضى في ذي القعدة من هذه السنة، و قيل: في التي قبلها.
و كان عمره خمسين سنة، و خلف ثلاثة و ثلاثين ولدا منهم سبعة عشر ذكرا، و ترك عشرة آلاف ألف دينار، و كان له من المماليك سبعة آلاف، و من الخيل على مربطه سبعة آلاف فرس، و من الجمال و البغال ستة آلاف رأس، و من المراكب [٧] الخاصة ثلاثمائة، و من المراكب الحربية مائة مركب، و من الغلمان أربعة و عشرون ألفا، و كان خراج مصر
[١] في الأصل: «جاست».
[٢] في الأصل: «في البر و الصدقات و بنى الجامع».
[٣] في ك: «و الكم الناعم» و كذا في ت.
[٤] في الأصل: «الوظيفة» و كذا في ت.
[٥] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٦] في الأصل: «حلمك».
[٧] في الأصل: «الدواب».