الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٤٤٩
.لا يقالُ له: بَعْدٌ ، شاءَ الأشياءَ لا بِهمَّةٍ ، درّاكٌ لا بخَدِيعةٍ ، في الأشياء كلِّها غيرُ مُتَمازجٍ بها
الجلالة هو التعاظم عن أن ينال، أو عن الرفق بمن يقصده، والمداراة بمن يرانيه ويرافقه، ومن يتّصف به من العباد لا يخلو عن الغلظة، وهو سبحانه يتّصف بها من حيث صفاته القهريّة التي يقال لها: «صفات الجلال». والعظمة لا اختصاص لها بصفات الجلال، بل صفات الكمال فيها أدخلُ. قوله: (قبل كلّ شيء) أي ربّي موجود قبل كلّ شيء بالعلّيّة، وكلُّ شيء بعده بالمعلوليّة له (لا يقال: شيء قبله) بنحو من أنحاء القبليّة وأقسامها؛ لأزليّته (وبعد كلّ شيء) فينتهي وجود كلّ شيء إليه وهو الباقي بعده (لا يقال له: بعدٌ) ينتهي وجوده سبحانه إليه، فهو بأبديّته باقٍ بعد كلّ شيء، وكلّ شيء ينتهي وجوده إليه سبحانه. والمراد أنّه لا يقال له سبحانه: بعدٌ على الإطلاق ومنفردا عن ذكر القبل، كما يقال له: الأوّل والآخِر، ولا يقال له: الآخِرُ، منفردا عن ذكر الأوّل. شَيِّئُ الأشياء ومعطي شيئيّتها وموجدها لا بقصد واهتمام وحركة نفسانيّة نحوها، بل بمشيّة وعلم ذاتي. هو درّاك لا بآلة يتصرّف فيها، أو حركةٍ نفسانيّة منتهية إليها وما يشبهها من الحِيَل والخدائع [١] في التوصّل إلى المطالب. حاضر في الأشياء كلّها بعلمه بها، غير متمازج بها بالمجاورة والخلط، ولا بائن منها مفارقا عنها بالبُعد؛ فإنّ القرب والبُعد المكانيين وما بحكمهما لا يليقان به سبحانه، إنّما يتّصف بهما المخلوقات المتنزّلة.
[١] في حاشية «ت»: خَدَع الضبُّ في جحرها، أي دخل. وخدعه، أي ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. وسوقهم خادعة، أي مختلفة. ودينار خادع، أي ناقص. والخديعة اسم يطلق لهذه المعاني، فكلّ ما يتمّ بدخول آلة أو بحركة نفسانيّة أو بأُمور مختلفة يصحّ فيه أنّه بخديعة، ولذا عبّر عن نفي الخديعة بنفي الآلة والحركة النفسانيّة إلى المقاصد وما يشبهها من الحيل والخوادع... وأمّا القاهر فليس على معنى علاج ونصب واحتيال ومداراة ومكر، كما يقهر العباد بعضهم بعضا. والدرّاك لغةً أعمّ مأخذا من القاهر، وإن كان قد يستعمل المدرك بغلبة. والواقع في هذا الكلام يصحّ على الوجهين (منه).