الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٣٧
يَحتاجُ إلى بَعْثة الرسل بالكتب والآداب ، وكانوا يكونون عند ذلك بمنزلة البهائم ، ومنزلةِ أهل الضرر والزمانة ، ولو كانوا كذلك لما بقوا طرفةَ عَيْنٍ ، فلمّا لم يَجُزْ بقاؤُهم إلاّ بالأدب والتعليم ، وجَب أنّه لابُدَّ لكلّ صحيح الخِلْقة ، كاملِ الآلة من مؤدِّبٍ ودليلٍ ومشيرٍ ، وآمِرٍ وناهٍ ، وأدبٍ وتعليمٍ ، وسؤالٍ ومسألةٍ . فأحقّ ما اقْتَبَسَه العاقلُ ، وَالْتَمَسَه المتدبِّرُ الفطنُ ، وسعى له الموفَّقُ المصيبُ ، العلمُ بالدين ، ومعرفةُ ما استعبدَ اللّه ُ به خَلْقَه من توحيده ، وشرائعِه وأحكامِه ، وأمرِه ونهيه ، وزواجِرِه وآدابِه ؛ إذ كانت الحجّةُ ثابتةً ، والتكليفُ لازما ، والعمرُ يسيرا ، والتسويفُ غيرَ مقبولٍ . والشرطُ مِن اللّه ـ جلّ ذكره ـ فيما استعبد به خلقَه أن يُؤدّوا جميعَ فرائضه بعلم ويقينٍ وبصيرةٍ ، ليكونَ المؤدِّي لها محمودا عند ربِّه ، مُستوجِبا لثوابهِ وعظيمِ جزائه ؛ لأنّ الذي يُؤدّي بغير علمٍ وبصيرةٍ ، لا يَدري ما يُؤدّي ، ولا يَدري إلى من يُؤدّي ، وإذا كان جاهلاً لم يكن على ثقة ممّا أدَّى ، ولا مصدّقا ؛ لأنَّ المصدِّقَ لا يكونُ مصدِّقا حتّى يكونَ عارفا بما صدَّقَ به من غير شكّ ولا شُبْهة ؛ لأنّ الشاكَّ لا يكونُ له من الرغبة والرهبة والخضوع والتقرُّب مثلُ ما يكونُ من العالم المستيقِن ، وقد قالَ اللّه عزَّ وجلَّ : « إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ » فصارت الشهادةُ مقبولةً لِعِلّةِ العلمِ بالشهادة ، ولو لا العلمُ بالشهادة ، لم تكن الشهادة مقبولةً . والأمرُ في الشاكّ ـ المؤدّي بغير علم وبصيرة ـ إلى اللّه جلَّ ذكره ، إن شاءَ تطوّلَ عليه فقَبِلَ عملَه ، وإن شاء رَدَّ عليه ؛ لأنّ الشرطَ عليه من اللّه أن يُؤدِّيَ المفروضَ بعلم وبصيرة ويقين ؛ كي لا يكونوا ممّن وَصَفَه اللّه ، فقالَ تبارك وتعالى : « وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ
قوله: «وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ» [١]
أي على وجهٍ واحدٍ كأن يعبده على السرّاء لا الضرّاء، أو على شكّ، أو على غير طمأنينة. والحاصل: أنّه لا يدخل في الدين متمكّنا مستقرّا.
[١] الحجّ (٢٢) : ١١ .