الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٢٥٤
٣. قال أبو الحسن عليه السلام : «وإن كانَ القولُ قولَنا ، وهو قولُنا ، ألَستُم قد هَلَكْتُمْ ونَجَوْنا؟» . فقال : رَحِمَكَ اللّه ُ ، أوجِدْني كيف هو ؟ وأين هو؟ فقال : «ويلك ، إنّ الذى ذَهَبْتَ إليه غلطٌ ، هو أيَّنَ الأينَ بلا أينٍ ، وكَيَّفَ الكيفَ بلا كيف ، فلا يُعْرَفُ بالكيفوفيّةِ ولا بأينونيةٍ ،
قوله: (أوجدْني كيف هو؟ وأين هو؟) أي أفِدني كيفيّته ومكانه ، وأظفرني بمطلبي الذي هو العلم بالكيفيّة والأين فيه. وغرضه ذلك التوسّلُ بسؤاله إلى النفي الذي هو مطلوبه؛ لأنّه إن نفى عنه الكيف والأين ـ كما هو معتقد أهل الحقّ ـ يكون في ظنّه دليلَ العدم ، أو عدمِ ربوبيّته. [١] ولو قيل بثبوت الكيفيّة والأين يتمسّك بنفي احتياجه في استغناء الأجسام عن المبدأ ، كما توهّمه . ولذا لمّا نفى عليه السلام عنه الكيف والأين بقوله: (هو أيّن الأين ...) أي أوجد حقيقة الأين وأوجد حقيقة الكيف، فكان متقدّما على وجود الأين والكيف (فلا يعرف بالكيفوفيّة ولا بأينونيّة) أي بالاتّصاف بالكيف والأين، وبكونه ذا كيفيّة وذا أين . وذلك لأنّه هو مبدأ قبل وجود الكيف والأين، فلا يعرف المبدأ بكونه ذا كيفيّة أو أينٍ . [٢] ولأنّ الخالق الموجِد لشيء متعالٍ عن الاتّصاف به؛ لأنّ الاتّصاف خروج من القابليّة إلى الفعليّة، والقابلُ خالٍ عن الوصف قبل الاتّصاف، عادمٌ له، والعادم لشيء وللأكمل والأتمّ منه لا يكون معطيا له، فالفاعل الخالق لا يكون معطيا نفسَه ما يستكمل به . ولأنّ المبدأ الأوّل لمّا لم يجز عليه الخلوّ من الوجود فلو كان فيه قابليّة الصفة، لكان له جهتان [٣] ، ولا يجوز استنادهما فيه إلى ثالث؛ إذ لا ثالث في تلك المرتبة،
[١] في حاشية «ت» : أي و إن لم يكن في ظنّه دليل العدم، لكن يكون دليل عدم ربوبيته؛ لأنّه حينئذٍ يكون موجودا ضعيفا كما كان في بعض الأعراض كالإضافة .[٢] في حاشية «ت ، م» : البيان الأوّل لأدنى النفوس وأقربها من الطبائع المادّيّة، والثاني للمتوسّط، والثالث لأعلاها وأرفعها عن الطبائع المقارنة وأحراها بمعرفة خواصّ الوجود الواجب لذاته (منه دام ظلّه العالي).[٣] أي فعليّة الوجود وقابليّته .