الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ١٧٢
.مُستَغِشٌّ للكتاب ، فالعلماءُ يَحْزُنُهُم تركُ الرعاية ، والجهّالُ يَحْزُنُهم حفظُ الرواية ، فَراعٍ يَرْعى حياتَه ، وراعٍ يرعى هَلَكَتَه ، فَعِند ذلك اختَلَفَ الراعيانِ ، وتَغايَرَ الفريقانِ» .
ويتنبّه لمقصوده، ويعمل بمطلوبه، أو المراد برُواته رواةُ الفرض، أو الحكم ونَقَلَته، وبرُعاته الآخذون له من مأخذه، العاملون على وجهه. وقوله: (وكم من مستنصح للحديث) أي مستخلصٍ للنقل عن الغشّ (مستغشّ للكتاب) بأحد الوجهين المذكورين. وفيه إشارة إلى أنّ استنصاح الحديث لا يستلزم رعاية الكتاب، بل يندر المقاربة. [١] وقوله: (فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية، والجهّال يحزنهم حفظ الرواية). يقال: أحزنه، وحزنه كنصره: إذا جعله محزونا. والمعنى أنّ العلماء العاملين بعلمهم يحزنهم ترك الرعاية والتفكّرِ في الكتاب والتنبّهِ لمقصوده والعملِ بمطلوبه، وفواتُها عاجلاً عنهم؛ [٢] حيث يعلمون ما في الترك من سوء العاقبة، وآجلاً عند ظهور الآيات والعلامات، فيحزنهم ما يترك من مقصودهم الذي هو الرعاية، والجهّالَ ـ الّذين لا يريدون العلم للعمل، ولا يتفكّرون في المطالب، ولا يختارون حسن العواقب ـ يحزنهم حفظ الرواية، ويصير حفظها من أسباب حزنهم؛ لاشتداد الأمر عليهم بسبب العلم والاطّلاع على الكتاب ونقله والقول به وترك التدبّر فيه والعمل به، فيحزنون بحفظها آجلاً عند ظهورالآيات، ويحزنهم مطلوبُهم من الرواية وحفظها. والحاصل: أنّ مطلوب العلماء ممّا تركه يوجب حزنهم، ويؤدّي إليه، ومطلوبَ الجهّال ممّا فعلُه والاهتمامُ به يوجب حزنهم ويؤدّي إليه . أو المراد بالحفظ الرعايةُ وبالرواية المرويُّ، أييحزنهم رعاية مايروونه، كما أنّ العلماء يحزنهم ترك الرعاية. وقوله: (فراعٍ يرعى حياته، وراع يرعى هلكته) أي فراعٍ ـ وهو العالم ـ يرعى ويحفظ ما فيه حياتُه و نجاتُه وحسنُ عاقبته، وهو التدبّر والتفكّر في الكتاب، والعملُ بما فيه، وراعٍ ـ وهو الجاهل ـ يرعى ويحفظ ما فيه هلاكه وسوء عاقبته، وهو رواية الكتاب بلا تدبّر فيه وعملٍ بما فيه .
[١] في «ل» : «المقارنة» .[٢] في «خ ، ل» : «عنهم عاجلاً» .