الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٢٢٣
.فإنّما يأخُذُ سُحْتا وإن كانَ حقّا ثابتا له ؛ لأنّه أخَذَه بحكم الطاغوت ، وقد أمَرَ اللّه ُ أن يَكْفُروا به ، قال اللّه تعالى : « يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّـغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِى » . قلت : فكيف يصنعان؟ قال : «ينظران إلى من كانَ منكم ممّن قد روى حديثَنا ، ونَظَرَ
وقوله: (وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا) إن حمل على أنّه يأخذ أخذا سحتا ، أي حراما، فعلى عمومه، وإن حمل على أنّه يأخذ مالاً سحتا ، أي حراما عليه أن يتصرّف فيه، فمخصَّص بما لا يكون المدّعى به عينا معلومَ الحقّيّة للمدّعي؛ فإنّه له التصرّف في المأخوذ حينئذٍ ، بخلاف ما إذا كان ثابتَ الحقّيّة عنده بحكم الحاكم، أو مظنونَ الحقّيّة، أو مشكوكَها، أو كان المدّعى به دَينا؛ فالاستحقاق في العين والتعيّن [١] في الدين بحكم الطاغوت لا يوجب جواز التصرّف . وقوله: (فإنّما تحاكم إلى الطاغوت) أي الشيطان، أو ما يزيّن لهم أن يعبدوه من الأصنام . ولمّا كان المتحاكم إلى الجائر متحاكما إلى من استند حكم الجائر إليه من الشيطان أو نفسِه وهواه، والمتحاكم إلى هوى نفسه كان متّخذا هواه إلها ومعبودا له، فكان المتحاكم إلى الجائر متحاكما إلى الطاغوت . قوله: (من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ...). اعتُبر في المتحاكم إليه ـ بعد كونه على طريقة النجاة وسبيل الحقّ والرشاد ـ كونُه آخذا من روايات أهل البيت، ناظرا في حلالها وحرامها، عارفا بالأحكام التي تستنبط منها، والموصوف بهذه الصفات هو المعبّر عنه بالفقيه عند السلف، وبالمجتهد في هذه الأعصار عند الإماميّة، وإن كان المجتهد في العصر الأوّل بينهم مستعملاً في العامل بالقياس والرأي، ولذلك منعوا عن الاجتهاد، فالمجتهد عبارة عن العارف بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة معرفةً مستندة إلى النظر في الحلال والحرام على ما في الأدلّة من الكتاب والروايات [٢] والأحاديث بعد الجمع والترجيح .
[١] في «خ» : «التعيين» .[٢] في «ل» : «على ما في الكتاب والأدلّة من الروايات» .