الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٢٨٠
.قال السائل : فيُعاني الأشياءَ بنفسه؟ قال أبو عبداللّه عليه السلام : «هو أجَلُّ من أن يُعانِيَ الأشياءَ بمُباشَرَةٍ ومُعالَجَةٍ ؛ لأنَّ ذلك صفةُ المخلوق الذي لا تجيءُ الأشياءُ له إلاّ بالمباشرة والمعالَجَة ، وهو متعالٍ نافذُ الإرادة والمشيئة ، فَعّالٌ لما يشاء» .
لا بالمعنى المصطلح عليه للكيفيّة كما يقال في سائر الألفاظ ولا بمعانيها اللغويّة أو الاصطلاحيّة؛ لأنّ الألفاظ بحسب وضعها لمعانيها ابتداءً إنّما هي لمدرَكات الأوهام والأفهام، ثمّ استعمل عند التنبّه [١] لما يتعالى عن تلك الإدراكات وعدمِ وجدان لفظ موضوع له فيه [٢] كاستعمال الألفاظ في مجازاتها. والمراد أنّ له كيفيّةً لاكتلك الكيفيّات المدرَكة لنا (لا يستحقّها غيره) أيلايمكن لغيره من المهيّات المغايرة للوجود، فلا يتّصف بها غيره، لا بالانفراد ولابالمشاركة. وقوله: (ولا يحاط بها) أي لا يقع بها الإحاطة، فلا يخرج بها من قابليّة إلى فعليّة. قوله: (قال السائل فيعاني الأشياءَ بنفسه؟) معاناة الشيء: ملابسته ومباشرته [٣] وتحمّل التعب في فعله. والمراد أنّه إذا كان واحدا أحدا لا تركيب فيه ولا تأليف متفرّدا بالربوبيّة، إذ لا يستحقّها مصنوع، فيباشر خلقَ الأشياء وصنعَها بنفسه ويعالجها [٤] ، ويتحمّل مشقّة فعلها بذاته. وأجاب عليه السلام عنه بـ[ أنّ]اللّه سبحانه (أجلّ من أن يعاني الأشياء بمباشرة ومعالجة؛ لأنّ ذلك) أي المعاناة بمباشرة ومعالجة (صفة المخلوق الذي لا يجيء الأشياء له) أي لا يحصل له ولا يتيسّر له فعلها؛ لعجزه وقصوره عن أن يترتّب وجود الأشياء على إرادته ومشيّته ، فلا يتأتّى له فعلها (إلاّ بالمباشرة والمعالجة، وهو سبحانه متعالٍ) عن ذلك (نافذ الإرادة والمشيّة ، فعّال لما يريد) فإذا أراد وجود شيء بأسبابه يوجد مترتّبا على وجود أسبابه، وإذا أراده لا بأسبابه العاديّة يوجد بلا أسبابه على خلاف العادة.
[١] في «خ، ل»: «التنبيه».[٢] قوله: «فيه» متعلّق بقوله: «استعمل».[٣] في «ل»: «معاشرته».[٤] في حاشية «ل»: «يصالحها».