الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٥٣٠
.فقال : «يا يونس بن يعقوب ، هذا قد خَصَمَ نفسَه قبل أن يتكلّمَ» ، ثمَّ قالَ : «يا يونسَ ، لو كنتَ تُحسِنُ الكلامَ كَلَّمْتَهُ» . قال يونس : فيا لها من حَسرةٍ ، فقلتُ : جُعِلتُ فداك ، إنّي سمعتُك تنهى عن الكلام وتقول : ويلٌ لأصحاب الكلام يقولون : هذا ينقادُ وهذا لا ينقادُ ، وهذا ينساقُ وهذا لا ينساقُ ، وهذا نَعقِلُه وهذا لا نَعقِلُه ، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام : «إنّما قلتُ : فويلٌ لهم إن تركوا ما أقولُ وذهبوا إلى ما يريدون». ثمَّ قالَ لي : «اُخْرُجْ إلى الباب ، فانظُرْ من تَرى من المتكلّمين فَأدْخِلْه؟» قال : فأدخَلْتُ حُمرانَ بن أعينَ وكانَ يُحسِنُ الكلامَ ، وأدخلتُ الأحولَ وكان يُحسِنُ الكلامَ ، وأدخلتُ هشام بن سالم وكان يُحسِنُ الكلامَ ، وأدخلتُ قيسَ الماصرَ وكان عندي أحسَنَهم كلاما ، وكانَ قد تَعَلَّمَ الكلامَ من عليّ بن الحسين عليهماالسلام ، فلمّا استقرَّ بنا المجلسُ ـ وكانَ أبو عبد اللّه عليه السلام قبل
نفي ما قاله من قوله: «ومن عندي» ولذا [١] قال عليه السلام : (هذا خاصم [٢] نفسه قبل أن يتكلّم). وقوله عليه السلام : (إنّما قلت: فويل لهم إن تركوا ما أقول) أي ما ثبت من الشارع في الدين، ووجب الأخذ به، وذهبوا إلى خلافه من الباطل الذي يريدونه، كمتكلّمي العامّة من المرجئة والقَدَريّة وأشباههم. وفيه دلالة على حسن التكلّم والاشتغال بتحصيل الكلام ممّن كان ميسّرا له بتوفيق اللّه سبحانه باسترسال طبيعته، واشتغال قريحته، وسلامته عن اللجاج والعناد والانحراف الناشئ عن الحسد والرغبة إلى الفَساد. ويدلّ قول يونس بن يعقوب في قيس بن الماصر: «وكان قد تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين عليهماالسلام» [ على] أنّهم عليهم السلامكانوا يعلّمون الكلام لأصحابهم، وكفى به شرفا وفضلاً لهذه الصناعة على ما لم يعلّموه من الصنائع وما ليس [٣] من العلوم بصناعة.
[١] في «خ، ل»: «ولهذا».[٢] في الكافي المطبوع: «خصم».[٣] في «ل»: «ومما ليس».