الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٥١١
.فيهم ، إنّ اللّه لم يُجْبِرْ أحدا على معصيته ، ولا أرادَ ـ إرادةَ حَتْمٍ ـ الكفرَ من أحدٍ ، ولكن حينَ كَفَرَ كانَ في إرادة اللّه أن يَكْفُرَ ، وهم في إرادةِ اللّه وفي عِلْمِه أن لا يَصيروا إلى شيء من الخير» . قلتُ : أرادَ منهم أن يكفروا؟ قال : «ليس هكذا أقولُ ، ولكنّي أقول : عَلِمَ أنّهم سَيَكْفُرونَ ، فأرادَ الكفرَ لعِلْمِه فيهم ، وليست هي إرادة حَتْمٍ ، إنّما هي إرادةُ اختيارٍ» .
على وفق إرادة العبد من اللّه سبحانه، وإفاضة الوجود منه سبحانه عليه بمشيّته وإرادته وقضائه وقَدَره (إنّ اللّه لم يُجبر أحدا على معصية) لصدورها عنه بقدرته وإرادته (ولا أرادَ ـ إرادةَ حتم ـ الكفر من أحد) حتّى يقع الكفر بلا مدخليّة إرادة العبد، إنّما أراد وقوع الكفر عند إرادة العبد إيّاه وبها وبقدرته، فيتعلّق هذه الإرادة منه سبحانه بالعَرَض بالكفر وتحقّقه، فحين كفر بإرادته كان في إرادة اللّه أن يكفر، وهم في إرادة اللّه وفي علمه أن لا يصيروا إلى شيء من الخير بإرادتهم. وقوله: (أراد منهم أن يكفروا؟) أي شاء منهم أن يكفروا، وذلك مقصوده منهم. ولمّا كان هذا الكلام من السائل إنّما نشأ من توهّمه من قوله: «كان في إرادة اللّه أن يكفروا» أنّ الكفر مراده ومطلوبه منهم، أجابه عليه السلام (ليس هكذا أقول) ولم يكن مرادي من قولي هذا، ولكنّ المراد من قولي وما أقوله، أنّ اللّه أراد وقوعَ مرادهم، وعلم أنّ إرادتهم تتعلّق بالكفر، فتعلّق إرادته بكفرهم من حيث تعلّق ارادته بوقوع ما يريدون، ومن حيث علمه بتعلّق إرادتهم به، وهذا لا يستلزم كون الكفر مقصودَه ومطلوبه منهم؛ فإنّ دخوله في القصد بالعَرَض لا بالذات، وتعلّق الإراده بالكفر بالعَرَض ليست موجبة [١] للفعل إيجابا يخرجه عن الاختيار؛ لأنّ هذا التعلُّق من جهة إرادتهم واختيارهم، وما يتعلّق بشيء من جهة الإرادة والاختيار لا يخرجه عن الاختيار.
[١] كذا في النسخ، والأولى: «ليس موجبا».