الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٤٤٧
.نفسَه ، وأنّى يوصَفُ الذي تَعجِزُ الحواسُّ أن تُدرِكَه ، والأوهامُ أن تَنالَه ، والخطراتُ أن تَحُدَّه ، والأبصارُ عن الإحاطة به ، جَلَّ عمّا وَصَفَه الواصفونَ ، وتعالى عمّا يَنْعَتُهُ الناعتونَ ، نَأى في قُربه ، وقَرُبَ في نَأْيِه ، فهو في نَأْيِه قريبٌ ، وفى قُربِه بعيدٌ ، كَيَّفَ الكيفَ فلا يقالُ : كيفَ ، وأيَّنَ الأينَ فلا يقالُ : أينَ ؛ إذ هو مُنقطِعُ الكيفوفيّة والأينونيّة» .
وقوله: (وأنّى يوصف الذي يعجز الحواسّ أن تدركه) تعليل لقوله: «إنّ الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه» أي لا يوصف بإدراك الأذهان؛ لأنّ كلّ ما يحكم به الأذهان يكون من مدرَكات الحواسّ الظاهرة أو الباطنة، والحواسُّ عاجزة عن إدراك ذاته سبحانه وصفاته؛ فإنّ الأوهام الحاكمة على المدرَكات بالحواسّ عاجزةٌ عن أن تناله وتصل إليه، والخطرات التي للأنفس والإدراك لما يخطر بالبال يعجز عن تحديده، والأبصار مطلقا [١] عن الإحاطة به، جلّ عمّا وصفه الواصفون بإدراك أذهانهم، وتعالى عمّا ينعته الناعتون بمدارك أنفسهم، نأى وبَعُد عن خلقه؛ حيث لا يدركونه ولا يحيطون به علما في قربه وإحاطته العلميّة بكلّ شيء، وقرب وأحاط علمه على أكمل الوجوه بالكلّ في بُعْده عن الكلّ وعدم وصول شيء منه إليه علما وإحاطة علميّة. وقوله: (كيّف الكيف) بيان لامتناع اتّصافه بمدركات الأذهان؛ فإنّ مدركاتها لا تخرج عن المقولات ولواحقها، وهو خالقها وجاعلها، والخالق لا يتّصف بالمخلوق، فلا يقال: كيف، ولا أين؛ إذ هو منقطع الكيفوفيّة والأينونيّة. وقوله: (منقطع الكيفوفيّة والأينونيّة) يحتمل أن يكون من باب الوصف بحال المتعلّق وعلى صيغة اسم الفاعل، أي الكيفوفيّة والأينونيّة منقطعة عنه، ويحتمل أن يكون على صيغة اسم المفعول بأن يكون اسمَ مفعول، أي هو منقطع فيه وعنده الكيفوفيّةُ والأينونيّة ، أو اسمَ مكان ، أي مرتبته مرتبةٌ انقطع فيها الكيفوفيّة والأينونيّة .
[١] في حاشية «ت، ل، م»: الإطلاق إشارة إلى شمول الأبصار لأبصار العيون وأبصار الأوهام (منه دام ظلّه).