الحاشية علی اصول الكافي (النائيني) - رفيع الدين محمد بن حيدر نائيني - الصفحة ٤٢٠
٣.وعنه ، عن محمّد بن أبي عبد اللّه ، عن محمّد بن إس عن عمرو بن محمّد، عن عيسى بن يونس ، قالَ : قال ابن أبي العوجاء لأبي عبد اللّه عليه السلام في بعض ما كان يُحاوِرُهُ : ذكرتَ اللّه فأحَلْتَ على غائب ، فقال أبو عبد اللّه : «ويلك ، كيف يكون غائبا مَن هو مع خَلْقِه شاهدٌ ، وإليهم أقربُ من حَبْلِ الوريدِ ، يَسمَعُ كلامَهم ، ويَرى أشخاصَهم ، ويَعلَمُ أسرارَهم؟». فقال ابن أبي العوجاء : أهو في كلّ مكانٍ ، أليس إذا كان في السماء كيف يكونُ في الأرض؟ وإذا كان في الأرض كيف يكونُ في السماء؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السلام : «إنّما وَصَفْتَ المخلوقَ الّذي إذا انتقلَ عن مكان اشتغلَ به مكانٌ وخَلا منه مكانٌ ، فلا يَدرِي في المكان الّذي صارَ إليه ما يَحدُثُ في المكان الّذي كانَ فيه ، فأمّا اللّه ُ العظيمُ الشأنِ المَلِكُ الديّانُ ، فلا يَخْلُو منه مكانٌ ، ولا يَشتَغِلُ به مكانٌ ، ولا يكونُ إلى مكانٍ أقربَ منه إلى مكانٍ» .
قوله: (كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهدٌ، وإليهم أقربُ من حبل الوريد) أي الحضور والغيبة باعتبار الشهود وعدم البُعد والحجاب ومقابلهما، فمن هو عالم بالأشياء ـ ظواهرِها وبواطنها ـ أحقُّ بالحضور وعدم الغيبة ممّا هو مجاور، أو مقارن، أو ملامس من الأجسام، فقال ابن أبي العوجا: إذا كان حاضرا في السماء كيف يكون حاضرا في الأرض ؟! وإذا كان حاضرا في الأرض كيف يكون حاضرا في السماء ؟! فلا يكون حاضرا في كلّ مكان. فأجابه عليه السلام بأنّ المُحال من ذلك إنّما هو في صفة المخلوق الجسماني الذي إذا انتقل عن مكان ولم يكن فيه كونَ المتمكّنِ في المكان، اشتغل به مكان آخَرُ، وخلا عنه المكان الأوّل، فلا يكون حاضرا فيه، ولا يدري ما حدث في المكان الذي كان فيه؟ فأمّا اللّه سبحانه العظيمُ الشأن الملكُ الديّان، فهو أعظمُ شأنا من أن يتّصف بالتمكّن في مكان، فلا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان؛ لأنّ الخلوّ والاشتغال بالنسبة إلى المكان إنّما يصحّ على ما يصحّ عليه التمكّن، وكذا القرب والبُعد المكانيّين، ولعلّه بعظمته وملكه أشار إلى وجوبه الذاتي وعدم مشاركته لشيء من الممكنات، وهو مناط الحكم بعدم جواز التمكّن عليه، والاختلافِ بالقرب والبعد المكاني بالنسبة إلى ما سواه.